هذه الحشود أتت لتقاتل لا لتفاوض

منقذ داغر

لم يعد السؤال هل تهاجم أمريكا ايران، بل متى ولماذا تهاجمها. فحتى مع كل جهود اللحظة الأخيرة الدبلوماسية والتي تقوم بها دول المنطقة فلا يبدو الأمل متاح لأكثر من تأجيل الضربات وليس الغائها. واضح ان هذه الحشود العسكرية باهظة الكلفة لم تأتِ لتضغط فقط إذ بإمكان أمريكا ان تمارس ضغطاً تفاوضياً عبر حشود اقل ومن خلال ضغوط اقتصادية إضافية تجبر إيران على الإذعان. لا بل ان التلويح بالعصا العسكرية الإسرائيلية فقط سيكون خياراً قوياً إذا أراد ترامب التفاوض فحسب.

 لم تؤدِ احداث ما بعد غزة 2023 الى إعادة رسم موازين القوى الإقليمية حسب، بل أدت الى إعادة رسم حدود الجغرافيا. فدول الطوق اختفت، وحدود الإشتباك اختلفت. وباتت العودة الى ترتيبات ما قبل غزة حيث توازن الردع الإقليمي بين إيران ومحورها و(إسرائيل) ومحورها غير مقبولة امريكياً او اسرائيلياً. (إسرائيل) تريد استثمار فوزها، وأمريكا تريد استثمار (ترامبها). ولم يعد مقبولاً -من وجهة النظر هذه- وجود نظام يضع في ديباجة دستوره مبدأ تهيئة ” الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها” وفي مادتيه الثالثة وال 154 على “توفير الدعم الكامل لمستضعفي العالم”. هذه المواقف بالنسبة (لإسرائيل وامريكا) فضلاً عن الاستعراضات والتصريحات من قبل ايران ووكلائها في المنطقة، لا تعني سوى بقاء الدافع والنية لإعادة بناء ما تم تدميره في أقرب فرصة. وإذا كانت إيران قد تخادمت مع اميركا -بقصد او دون قصد – في اسقاط النظام العراقي السابق، وفي اثارت الخوف الخليجي، ومنع النفوذ السوفيتي، او حتى في مكافحة التنظيمات الإرهابية والفكر المتطرف “السني” في فترة من الفترات فأن كل هذه الأسباب قد انتفت الحاجة لها الآن وبات التخلص من هذا العبء الجيوستراتيجي مهماً في هذه المرحلة. فإذا علمنا ان الهيكل المقترح الجديد لوزارة الحرب الأمريكية يتضمن الغاء عدد من قياداتها العسكرية في العالم وفي مقدمتها القيادة المركزية المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط CENTCOM  فسندرك آنذاك أهمية التخلص من الصداع الإيراني قبل مغادرة الجيش الأمريكي للمنطقة وإيكال المهمة للوكلاء الإقليميين لحراسة المصالح الأمريكية كما تنص على ذلك وثيقة الأمن القومي الأمريكي للبيت الأبيض ووثيقة الأمن الوطني الصادرة عن البنتاغون في 2026.

وعلى الرغم من ان ترامب يفضل التخلص من هذا النظام بدون دفع ثمن كبير من خلال احداث تغيير داخلي جذري في ُبنية النظام سواء بالمظاهرات او بأنقلاب داخلي الا ان هذا الخيار لا يبدو ممكناً نظراً لبُنية النظام القوية والمتماسكة. اما البديل الثاني الذي يفضله ترامب فهو احداث تغيير جذري في سلوك النظام من خلال ثلاثة شروط هي: انهاء البرنامج النووي، وانهاء البرنامج الصاروخي طويل المدى، ووقف او حل الميليشيات والأذرع الإيرانية في المنطقة. هذا الخيار يبدو صعب التحقق لسبَبين أولهما إيراني داخلي مرتبط بمدى هيمنة الحرس الثوري وفيلق القدس على السياسة والإقتصاد في إيران. ففيلق القدس مثلاً سيفقد شرعية بقاءه في هذه الحالة وسيتم تقليص نفوذ الحرس الثوري كثيراً. من جانب آخر فإن “إسرائيل” ستجد في هذا الخيار ضياعاً لفرصة استراتيجية اجتمع فيها ضعف إيران العسكري، مع سيطرة اهم حليف لها في البيت الأبيض على مدى عقود طويلة. لذا سيعمل كل من المتشددين في ايران والكيان الصهيوني (كل لأسبابه الخاصة) على افشال هذا الخيار.

حينئذ سوف لن يتبقى لترامب سوى مواجهة القرار العسكري الصعب الذي يريد تجنبه. ولكي يحصل ذلك فهو يريد ضمان عدم عودة أي كفن ملفوف بالعلم الأمريكي من المنطقة في سنة انتخابية وعد فيها ناخبيه بإنهاء كل اشكال التدخل الأمريكي العسكري في العالم. ولذلك نجد انه قد اخلى او قلص حجم قواعده الثابتة في المنطقة، واعتمد على الحشد البحري، ولجأ لحرب نفسية – سيبرانية، وبدأ بزيادة عدد منظومات مقاومة الصواريخ والمسيرات بخاصة من طراز ثاد. ويبدو انه لن يلجأ للخيار العسكري الا بعد ان يتلقى تأكيدات من جنرالاته بأن منظر الأكفان الملفوفة بعلم امريكي لن يتصدر المشهد الإعلامي. ولكي يضمن جنرالاته هذا السيناريو فهم بالتأكيد سيطلبون مزيد من القوات والحشد مما يجعل الضربة العسكرية مؤجلة وليست ملغاة.

الخلاصة، فأن هذه الحشود العسكرية الامريكية لم تأتِ لتفاوض بل لتقاتل على الرغم من ان ترامب ما زال يأمل في أمكانية تحقيق أهدافه أعلاه بدون إطلاق صاروخ واحد. لكن ذلك لا يبدو ممكناً في ظل التشدد الإيراني، والإصرار الصهيوني.

اترك رد