منقذ داغر
منذ سنين لم اشاهد او اسمع او أقرأ مثل هذا التداول الواسع لمنشور او تصريح او تغريدة مسؤول امريكي كما حصل يوم الثلاثاء 27 ك2 مع تغريدة الرئيس ترامب التي نشرها عبر منصته “تروث سوشيال ” Truth Social والتي اعترض فيها على ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة وهدد فيها بعواقب تترتب على مثل هذا القرار. ان الدهشة التي عقدت السُن واقلام الكثيرين سواء من كانوا مع الإطار التنسيقي وقراره، أو من كانوا ضد ترشيح المالكي او حتى المراقبين المحايدين تنبع من ثلاث أسباب وجيهة:
- كثيرون آمنوا بتراجع أهمية العراق بالنسبة لواشنطن وبالتالي عدم اكتراثها كثيراً بما يحصل في العراق وعدّها ترشيح الإطار للمالكي شأناً داخلياً بخاصة وأن أمريكا كما يعتقدون تهتم بالأفعال لا الرجال. بمعنى انها حتى وأن لم تكن راضية عن ترشيح المالكي فإنها ستصبر لترى ما يقوم به المالكي قبل ان تصدر حكمها عليه.
- في كل المناسبات المماثلة السابقة كانت واشنطن اما تتفرج او تتدخل بشكل غير مباشر وغير معلن بخاصة فيما يتعلق بتشكيل الحكومة العراقية.
- لم يحصل سابقاً حتى عندما كان العراق محتلاً أبان حقبة بوش الأبن ان صرح الرئيس الأمريكي او أدلى بتصريح علني يخص اختيار رئيس الوزراء حيث كان يترك تلك المهمة لمساعديه وربما الصغار منهم، فما الذي يستدعي هذه المرة نزول ترامب للملعب بنفسه، وما هي العواقب او الآثار المترتبة على هذا التدخل الشخصي لترامب؟!
لقد لاحظ كثير من المتابعين إني غردت مرات عديدة ضد ترشيح المالكي منذ ان قام السوداني بخطوته المفاجئة بالتنازل عن حقه الانتخابي كفائز اول لصالح المالكي وهي الخطوة التي شقت الإطار وجعلته يرشح بالأغلبية لا بالإجماع المالكي لرئاسة الوزارة. ولم يكن سبب الاعتراض على ترشيح المالكي حالته الصحية فحسب، ولا حتى أدائه السابق الذي اوصلنا لخسارة الآلاف من شبابنا لتحرير العراق من دنس داعش رغم ان هذين السببَين كافيين لوحدهما لجعل الإطار والسيد السوداني يفكرون مئة مرة قبل ترشيحه مجدداً. مع ذلك فأن السبب الأهم برأيي كان متمثلاً بقراءة الموقف الأستراتيجي الحالي في المنطقة ومدى ملائمة المالكي له ومدى اتساقه مع الخطط الأمريكية في المنطقة.
لقد كان غريباً ان يزور نتنياهو ترامب في عطلة عيد الميلاد الفائتة بخاصة وأنها الزيارة الخامسة لواشنطن من قبل نتنياهو وهو أمر نادر الحدوث ويدلل على متابعة النقاش لملف مفتوح وغير مغلق. ولمعرفة ذلك الملف فان علينا قراءة تصريح ترامب رداً على اعتراضه العلني على خطة ترامب ووقف إطلاق النار في غزة في نهاية 2025. قال ترامب:” في النهاية سيقبل نتنياهو بالخطة وسيتم تعويضه عن ذلك”. وقد كان التعويض هو موافقة ترامب على طلب نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني وهو ما كان ترامب يرفضه سابقاً. لكن المشكلة كانت في قوة النظام الإيراني وعدم رغبة ترامب بتكرار تجربتَي غزو العراق وأفغانستان وتغيير نظاميهما. هنا تم التوصل الى ما يسمى بخطة الحرب الهجينة Hybrid War وهي خليط من حرب تقليدية عسكرية واقتصادية مع هجمات سيبرنيتية، وتحشيد الرأي العام وحرب إعلامية…الخ من الأساليب التي في نهايتها يسقط النظام بعد ان يفقد سيطرته على الشارع وعلى مفاصله الحيوية (الاقتصاد والجيش والأعلام). لقد باشرت اميركا فعلاً بهذه الحرب من خلال دعم التظاهرات، وادامة الضغط على الاقتصاد الإيراني واستنزاف وإنهاك القوات المسلحة الإيرانية التي باتت في حالة استنفار قصوى منذ مدة طويلة. ان استمرار هذا الضغط الأمريكي الذي قد يعزَز بهجمات أمريكية-إسرائيلية على اهداف منتخبة سيؤدي في النهاية لإسقاط النظام الإيراني.
لكن ما دخل اختيار الحكومة العراقية ورئيسها في هذا السيناريو؟ لقد كشفت تقارير أميركية-إسرائيلية ان العراق بات الرئة الوحيدة المتبقية للنظام الإيراني وانه يجب قطع هذه الرئة او حرمان طهران منها كي نضمن نجاح خطة الحرب الهجينة. لقد بلغ حجم التبادل التجاري العراقي مع إيران كثر من 11 مليار دولار كله تقريباً لصالح إيران!! فاذا علمنا ان كل مداخيل ايران من النفط خلال نفس السنة بلغت 5.5 مليار دولار فهذا يعني ان ما تحصل عليه إيران من رئة العراق الاقتصادية يفوق ما تحصل عليه من النفط!! لذا كان من الطبيعي التفكير بقطع هذا الشريان الأستراتيجي الإيراني وهذا لا يمكن ان يتم مع وجود حكومة تسيطر عليها إيران وميليشياتها او اشخاص مقربين منها. ونظراً لتاريخ المالكي في التعامل مع إيران من جهة، والجهود التي قام بها قاءاني لتوحيد صفوف الإطار في انتخاب المالكي من جهة ثانية، ومباركة المرشد الأعلى لاختيار المالكي من جهة ثالثة فقد كان طبيعياً ان يثير ذلك قلق الأميركان. وحين لم يستمع الإطار لهذا القلق الذي تم ايصاله لقوى الإطار التنسيقي عن طريق القائم بالأعمال الأمريكي الذي سلمهم الرسالة المختصرة وغير الموقعة عن الموقف الأمريكي من المالكي، أردف الأميركان تلك الرسالة باتصال هاتفي من روبيو للسوداني تضمن نفس مضامين الرسالة السابقة، وعندما تم تجاهل ذلك ايضاً والتشكيك فيما يقصده الأميركان قام توم براك ثم السفارة الأميركية في بغداد ثم المبعوث الخاص سافايا بنشر تغريدات واضحة لكنها غير مباشرة تعبر عن رفض الاميركان لهذا الخيار الإطاري. وحين تجاهلت قوى الإطار هذا كله، على الرغم من ان قوى معينة فيه حاولت -بحكمة وفهم سياسي واقعي- جهدها لعدم تمرير مرشح ايران ادراكاً منها لخطورة العواقب كان لزاماً نزول اللاعب الأكبر الذي حسم المباراة وأطلق صافرة النهاية بتغريدته المدوية ليلة 27 ك2 2026.
الخلاصة
- لا يزال العراق مهماً للإدارة الأمريكية على الرغم من تراجع أهميته خلال السنين السابقة. مع ذلك فان موقعه الجغرافي وموقعه النفطي فضلاً عما استثمر الأميركان فيه طيلة 23 سنة يجعله مم دوماً حتى وان تم النظر له من الزاوية الإيرانية فقط. لذا فأن اختيار الكابينة الحكومية واعضائها يجب ان يتوافق مع هذه الرؤية الأميركية لمصالحها من جهة وللدور الذي يجب ان يلعبه العراق كشريك استراتيجي من جهة أخرى.
- أننا إزاء إدارة أمريكية لديها استراتيجية امن قومي واضحة وتقع ايران ضمن أولوياتها الأمنية لأسباب كثيرة تتعلق بالنفط والتنافس مع الصين وروسيا. لذا فهي ستتحرك ضد ايران بموجب تلك الاستراتيجية ولكن ليس بالطرق التقليدية التي اعتادت الإدارات السابقة سلوكها.
- ان الأسلوب الدبلوماسي غير المباشر في الإفصاح عما تريده امريكا من شركائها في مناطق العالم المختلفة، ليس هو الأسلوب الذي تعتمده هذه الإدارة. فهب مباشرة ومستعدة للعب كل اوراقها.
- اننا إزاء رئيس امريكي غير مستعد للعب دور المخطط او متخذ القرار فحسب بل هو مستعد للنزول للملعب وحسم المباراة لصالحه في أي لحظة يشعر فيها ان مخططه مهدد بالفشل. ولكي يضمن عدم الفشل فأنه مستعد لاستخدام ما لا يخطر ببال الخصوم او الشركاء سواء من حيث العقوبات او المكافآت.
- بغض النظر عن رأي الساسة العراقيين بهذا الدور الأمريكي المتدخل بشكل مباشر في الشأن العراقي، وبغض النظر عن الحرج الذي سببه لقادة العراق امام جمهورهم، فأن هناك فرصة استراتيجية يمكن استثمارها نتيجة هذا الاهتمام الأمريكي بالعراق. ان من شأن المجيء برئيس وزراء عراقي يفهم الدور الأمريكي الريادي في العالم، فضلاً عن فهمه لمفاتيح التعامل مع هذه الإدارة الأمريكية وموقع العراق ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، ان يستثمر هذا التحدي ويحوله الى فرصة استراتيجية من خلال تفعيل الاتفاق الأستراتيجي الموقع مع أمريكا وتحويل العراق الى شريك اقتصادي وعلمي وسياسي وثقافي شبيه بما فعلته دول الخليج العربي.