هذه محاولة لاستعراض أهم التغيرات التي حصلت على المصادر الأربعة للقوة والسلطة في المجتمع العراقي بعد 2003، عبر سلسلة من المقالات تنشرها صحيفة الزمان.كيف تغيرت الآيدلوجيا والسياسة والأقتصاد والقوة العسكرية؟
مصادر القوة والسلطة في العراق
(الدين)
منقذ داغر
يقصد بالسلطة القدرة على جعل الآخرين يفعلون أشياء ما كانوا ليفعلونها بدون وجودها. والسلطة هنا لا تقتصر على السلطة القانونية بل تتعداها الى كل أشكال القوة القهرية أو التعاونية،والرسمية وغير الرسمية،والخاصة أو العامة. يختلف علماء الأجتماع في تحديد مصادر القوة الأجتماعية لكني أتبنى أنموذج مايكل مان Michael Mann الرباعي (الآيدلوجيا،الأقتصاد،الجيش والسياسة)،بعد تعريقه ليناسب الظرف الأجتماعي للعراق حالياً.
علينا التمييز هنا بين مصادر القوة،أي من أين تتأتى قوة أي شخص أو مجموعة،وبين طريقة ممارسة القوة سواء بالقسر والصراع أو بالتعاون والأقناع. أنه كالتمييز بين هيكل القوة أو شكلها التنظيمي وبين ممارساتها الوظيفية .سيتم التركيز هنا على مصادر القوة في العراق وليست ممارساتها وأشكالها،في محاولة لفهم التغيرات العميقة التي حصلت في مجتمعنا بعد 2003.
- الآيدلوجيا (من دولة الحزب الى دولة الدين)
تعد الآيدلوجيا حجر الزاوية الأول والذي يستمد قوته من حاجة الأنسان الأزلية لأضفاء معنى لوجوده. أنها الأجابة التي يحتاجها كل البشر للأسئلة الكبرى عن سر وجوده ومنتهاه. هنا لدينا نظامين آيدلوجيين رئيسين حكما المجتمعات البشرية منذ وجودها هما النظام الديني والنظام العلماني. كما برزت نظم حاولت المزج بين الأثنين بطريقة أو بأخرى. النظام الأول تواجد بصيغة أديان سماوية وأخرى(وضعية). فيما أنتج لنا النظام الثاني مجموعة ليست قليلة من الآيدلوجيات العلمانية مثل الليبرالية والشيوعية والفاشية والقومية،وكذلك ما بات مؤخراً يسمى بالبيئية environmentalism. وتتباين المجتمعات زمانياً ومكانياً في سيطرة أحدى هذه الآيدلوجيات عليها. ففي الوقت الذي قد تهيمن فيه آيدلوجيا دينية معينة على مجتمع ما فقد يقرر مجتمع آخر تبني آيدلوجية مختلفة كما هو حاصل اليوم في تباين المجتمعات المعاصرة(شرقاً وغرباً) في سيطرة هذه الآيدلوجيا الدينية( أيران وأفغانستان مثلاً)أو تلك الآيدلوجيا العلمانية(روسيا وأمريكا مثلاً). بنفس الطريقة فقد يقرر مجتمع ما تغيير آيدلوجيته التي كانت سائدة في حقبة زمنية ما بأخرى مختلفة كما حصل مع الدول الأوربية التي أتجهت للعلمانية(بمختلف أشكالها) وتخلت عن الآيدلوجيا الدينية المسيحية التي كانت مهيمنة قبل بضعة قرون.
تستمد الآيدلوجيا -مهما كان شكلها أو نظامها- قوتها الفائقة من حقيقة عدم قدرة الأنسان على بلوغ اليقين في معرفته لهذا العالم ولوجوده فيه. أن العقل الأنساني مليء بالفجوات غير المفهومة والأسئلة غير المعلومة والمخاوف غير المفطومة.هذا ما أجبر الأنسان على أنتاج وتبني معتقدات لا يمكن أختبارها علمياً لكنها مستقرة فكرياً ونفسياً في المجتمع ولدى أفراده. بدءً من قصة الخلق البابلي وقصة الخلق الفرعونية ثم مروراً بالأديان السماوية والفلسفة الأغريقية ثم الفلسفات العلمانية ظل الأنسان بحاجة لمعرفة علة وجوده ،وأمكانية وكيفية خلوده،ومدى قدرته على تحدي وكسر قيوده،وهل هناك مدى لحدوده!!هل خُلق بآية أم بصدفةٍ دون غاية؟ هل حياته مقدسة أم حوادث وظروف مدنسة؟ أن أهم وأقوى الآيدلوجيات هي تلك التي لا تكتفي بالتفسير والتسبيب،وأنما توفر الأرتباط العاطفي والوازع المعنوي لمريديها. وهتا يقع الفرق الأساس بين العلم والآيدلوجيا. فالعلم يكتفي بالتسبيب والتفسير ولا يتعدى ذلك الى الرابط العاطفي والتشدد المعنوي.
أن أخطر ما في الآيدلوجيات أنها الملاذ المخلّص والملجأ المقدس في الأزمات حيث تشح الأجابات وتتداخل التساؤلات وتتداعى المؤسسات وتتهدد المعتقدات. فخلال هذه الظروف المتشابكة والمهددة لوجود المجتمعات وثوابتها القائمة تبرز الحاجة لأضفاء المعقولية على ما يجري من خلال نظريات ومقولات ومعتقدات تبدو مريحة ومعقولة لكنها غير مختبرة أو مثبتة علمياً. وبما أن الناس يعيشون ضغطاَ نفسياَ وأجتماعياَ وأقتصادياَ شديد خلال الأزمات فأن من السهل أقناعهم بآيدلوجية الخلاص،دينيةً كانت أم علمانية،جديدةً كانت أم قديمة،عابرةً للزمكانات أم مختصة بمجتمع وزمان معينَين. هكذا نفهم لجوء معاوية الى الدين و(قضاء الله وقدره)حين أستولى على حكم الشام من علي بعد أحداث الفتنة الكبرى التي أعقبت مقتل عثمان. وهكذا نفهم ظهور الشيوعية في أعقاب الحرب العالمية الأولى لتقنع العالم والروس منهم خاصة بأنها المخلص لهم من الآلام والمجنّب لهم من الأسقام. وهكذا أيضاً نفهم بروز الفاشية في المانيا وأيطاليا خلال نفس الفترة القلقة(الخرب العالمية الأولى).كما أن الثورة الصينية الماوية ما كان لها أن تبرز وتنتصر لولا تداعيات الحرب العالمية الثانية على الصين.
بعد تشكيل العراق الحديث في 1921 تصارعت عدة آيدلوجيات(علمانية) في محاولة لملء فراغ الآيدلوجيا الدينية التي ظلت تحكمه لقرون على يد العثمانيين وخلفت فوضى عارمة فيه. فبرزت أحزاب تبنت أنموذج العراق الأمة nation state وأخرى تبنت أنموذج العراق الأممي وثالثة دعت الى انموذج العراق العربي. فتداولت هذه الآيدلوجيات حكم العراق عبر أنقلابات عسكرية لم تدع للعراق مجالاً للأستقرار،حتى دان الحكم للبعث العربي الأشتراكي الذي قاد العراق عبر سلسلة من الحروب والضطرابات المستمرة التي أنتهت بأحتلال العراق في 2003 مما زاد في الفوضى السياسية والأمنية والأقتصادية والأجتماعية،بخاصة بعد أن دمّر المحتل الأمريكي دولة العراق ومؤسساته،ولم يكتفِ بالأطاحة بنظام الحكم حسب. هكذا توفرت اللحظة التاريخية لآيدلوجيا الأسلام السياسي لتقدم نفسها كبديل وحيد لملء الفراغ وهو ما سنفصله في مقال قادم.