تلجأ المؤسسات الكبرى الى أعادة التسمية rebranding حينما تكتشف انها تحتاج الى دفعة جديدة لنموها وان زبائنها بحاجة لان يعلموا ان هناك سياسة واستراتيجية مختلفة سيتم اتباعها.فهل كان السيد الصدر بحاجة لارسال مثل هذه الرسالة لجمهوره او خصومه حينما قرر اعادة تسمية تياره ليصبح التيار الشيعي الوطني؟وهل ان النمو السياسي للتيار كان بحاجة لدفعة جديدة بخاصة بعد سنتين تقريباً من الانسحاب من الساحة السياسية؟وهل ان المقاربات والمنطلقات الصدرية السابقة لم تعد صالحة لمرحلة العودة المرتقبة للتيار؟
قبل الأجابة على هذه التساؤلات،علينا تذكر أن التيار الصدري قد تأسس أبتداءً لاسباب سياسية ووطنية رافقت الاحتلال،بل وسبقته ايضاً، وليس لاسباب فقهية دينية أو عقائدية حسب. بل وان معظم حركات التشيع (السياسي والجهادي)التي نشأت بعد الاحتلال كانت قد تولدّت أو أنشقت عن التيار الصدري حتى وأن خاصمته فيما بعد. والحركات السياسية بطبيعتها تحتمل اعادة النظر في المنطلقات والاستراتيجيات اكثر مما تحتمل الحركات الفقهية الدينية التي تتميز بثبات اكبر.بالتالي فان اعادة التسمية ممكنة وقد تكون محبذة بخاصة حينما تمر الحركة السياسية بظروف تحتاج معها الى وقفات طويلة ومراجعات متأمِّلة كما حصل مع الصدريين،رغم اني لا أحبذ التسميات التي تستخدم الدين او المذهب كدلالة عليها.مع ذلك فلا اعتقد ان اعادة التسمية(او خلق ماركة جديدة) للتيار الصدري وأضافة لفظَي(الشيعي والوطني)كانت هي التفسير الأساس أو الوحيد بقدر ما هي رسالة تورية كما يطلق عليها علماء اللغة العربية.وهذا ربما احد اهم الاسباب في تشريق وتغريب المختصين لدلالات اطلاق هذه التسمية واختلافهم في تبعاتها السياسية .وللقارىء غير المختص فأن(التورية)في اللغة هي احد اساليب الابداع اللفظي التي تستخدم لفظاً يواري أو يخفي لفظاً معاكساً له. فحينما تقول فلان بصير فانك قد تريد القول انه أعمى وليس ثاقب البصر.
أن ولع رجال الدين وخريجي الحوزات(كالسيد الصدر)باللغة يجعل من استخدام التورية واساليب اللغة البديعة شيئاً طبيعياً بل ومحبباً لهم. لذا فقد تكون التورية السياسية هي المقصودة أكثر من اعادة نحت مسّمّى التيار الصدري. فأسم الصدر بحد ذاته له دلالات فقهية وتاريخية مهمة تجعل من الصعب الاقتناع بان اختيار (الشيعي الوطني)كان لجني مكاسب أعادة التسمية فقط بقدر ما هي أرسال رسالة تورية للخصوم السياسيين.
هنا يجب تذكر ان من خذل التيار الصدري وأجبره الأنسحاب ليس سياسيو السنة أو الكورد،بل سياسيي الشيعة،وتحديداً رواد التشيع السياسي.أي أن خصوم ومنافسي الصدر هم من سياسيي التشيع السياسي وليسوا الشيعة العلمانيون،او سياسيو الكورد والسنة.بالتالي،فاذا كانت هناك رسالة فانها يجب ان ترسل لخصوم التشيع السياسي ومريديه وانصاره،وليس للعراقيين عامة. أن رسالة التورية التي أراد السيد الصدر أرسالها تكمن في اعتقادي في أضافته لكلمتي(الشيعي الوطني)ودلالاتهما التوروية. وكأن السيد يريد ان يقول ان هناك تشيع غير وطني وعابر للحدود لا يهتم بأستقلال العراق ومصلحته بقدر اهتمامه بمصلحة المذهب كما يراها معتنقو التشيع السياسي المنافسين.وأن تياره يتناقض مع تلك الرؤية ويتبنى تشيعاً عراقياً وطنياً خالصاً.ان من المعروف أن كل حركات الأسلام السياسي السني والشيعي لا تعترف بالحدود والسيادة الوطنية وتجعل الدين ومصلحته(كما يعتقدونها)هي الأساس وليس مصلحة الشعوب والبلدان.فالأسلام كما يعتقدون دار واحدة لا يمكن تقسيمها بحسب اعتقادهم.وهنا تكمن أهمية أضافة كلمة الوطني والتي فسرها(وزير القائد)في تغريدة لاحقة بأنها (أمتداد لنعم نعم للوطن ومكوناته جميعاً). فالتيار الجديد لا ينطلق إذاً من نظرية الأسلام السياسي التقليدية عابرة الحدود وأنما من (توطين) الاسلام السياسي(لا عولمته).
تكتسب هذه الرسائل باعتقادي أهمية قصوى في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به العراق. فهي أولاً دلالة واضحة على خوض الصدريين للانتخابات القادمة بعنوان ورؤيا تستهدف الجمهور(الشيعي) والذي هو ميدانها السياسي،لكنها في ذات الوقت تطمئن سياسيي الكورد والسنة والذين عانوا من تفرد الأطار التنسيقي بالقرار السياسي في المرحلة السابقة. كما أنها ترسل رسالة للجمهور(الشيعي) الذي تقلصت مشاركته في الانتخابات وفقد الأمل بالعملية السياسية،بأن هناك رؤية وطنية لا تنسى التشيع لكنها لا تجعله معيار المواطنة الأساس.أما الدلالة الأخرى فترتبط بالتحسب لمرحلة الفراغ الذي قد يتركه رحيل كبار مراجع الشيعة في العراق وايران. فالتشيع السياسي(عابر الحدود)قد يسعى للاستفادة من ذلك الفراغ الذي قد يحصل(بخاصة في العراق)بكسب انصار ومساحات عراقية جديدة وتقليص تأثير التشيع العراقي الوطني.
أخيراً لا بد من التنبيه أن أرسال كل هذه الرسائل الإيجابية،وتحقيق كل هذه المكاسب لصالح التيار وجماهيره لا يمكن ان يتم بتغيير العنوان فقط ما لم تصاحبه رؤية أستراتيجية وآليات تطبيقية واضحة.أن تغيير العنوان يستلزم بالتبعية تغيير هيكلي ووظيفي يستجيب للمرحلة المقبلة ويتجاوز كل مشاكل المرحلة السابقة. وان خصوم الصدر السياسيين سيبدأون بمراقبة وتحليل كل تحركاته وقراراته وهو ما يستلزم مقاربة نظرية وعملية مختلفة تتجاوز تغيير العنوان الى تقديم مقترحات ومقتربات سياسية جديدة.