ماذا ينتظرنا في 2026 (2) – اليمن هي بؤرة التهديد

منقذ داغر
في المقال السابق انتهيت الى التحذير من ان اكثر بؤرة مرشحة للتصعيد هي الساحة اليمنية، على الرغم من ان المنطقة ستشهد تصعيداً في الساحات الفلسطينية واللبنانية والسورية وحتى العراقية تبعاً لتنافس المشاريع الثلاثة (الإيراني والعثماني والصهيوني) بالطريقة التي تم التطرق لها سابقاً. مع ذلك فتبدو احتمالات اشتعال الساحة اليمنية اكثر خطورةً من الساحات الأخرى التي باتت تتحول تدريجياً من الحالة السيالة غير الواضحة الى الحالة الصلبة شبه المستقرة. فأيران منشغلة بترميم داخلها والسيطرة على الغضب الشعبي المتنامي نتيجة انهيار اقتصادها ومشروعها النووي. وتركيا لا تمتلك حالياً الوقود الاقتصادي للمضي قدماً في مشروعها العثماني، اما “إسرائيل” فعلى الرغم من انها تريد تأمين انتصارها (العسكري) في غزة ولبنان وربما الاجهاز على التهديد الإيراني المتبقي، فانها تدرك ان الحوثيين هم اقل جبهات محور المقاومة تضرراً، واكثرهم قدرةً على إيذاء العمق(الإسرائيلي) بخاصة بعد ان اثبتوا انهم قادرين على تعطيل حركة الملاحة الجوية في مطار بن غوريون وتهديد الداخل الإسرائيلي بصواريخهم ومسيراتهم التي تزداد قوة ومدى ودقة كل يوم، فضلاً عن قدرتهم على تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر. وإذا كان الكيان الصهيوني قادراً على معالجة التهديدات الفلسطينية واللبنانية، وحتى العراقية-ان وُجدت- لوحده فأنه بلا شك سيحتاج بشدة للحليف الأمريكي لمعالجة التهديد الحوثي ولا يبدو في وارد هذا الحليف الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الحوثيين المتحصنين بجغرافيا تشبه الى حد كبير الجغرافيا الأفغانية التي أجبرت الأميركان على الرضوخ لطالبان في النهاية.
ولا يقتصر التهديد اليمني للمشروع (الأسرائيلي) في المنطقة، بل يتعداه لتهديد المشروع السعودي الصاعد بقوة فضلاً عن تهديده لثوابت استراتيجية الأمن القومي الأميركي في العالم. فعلى الصعيد السعودي، وبعد ان تم تقليل التهديد الحوثي عبر اتفاقات وتفاهمات معينة طوال السنتَين الماضيتين، فأن هذا التهديد عاد بقوة بعد ان استولت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي -الحليف للدولة الشرعية اليمنية والداعي لانفصال الجنوب- على مدينة حضرموت قبل أسبوعين تقريباً، هدد الحوثيون بالرد الذي قد يتضمن توسيع مناطق نفوذهم من جهة وتهديد العمق والاقتصاد السعودي من جهة أخرى. فالجبهة المعادية للحوثيين لا تضم فقط قوات المجلس الانتقالي المدعومة اماراتياً، بل قوات الدولة اليمنية الشرعية المدعومة سعودياً ايضاُ. ولذلك سارعت السعودية بحشد مزيد من قواتها على الحدود مع اليمن. وبالتأكيد فأن السعودية المشغولة في بناء وتعزيز مشروعها الداخلي والإقليمي القائم على الاقتصاد والقوة الناعمة، وليس القوة الخشنة فقط، لا يريد الدخول في أي مواجهة عسكرية قد تعرقل هذا المشروع وتوقف تقدمه.
أما على الجانب الأمريكي فعلى الرغم من ان استراتيجية الامن القومي الأمريكي التي نُشرت قبل أسابيع اكدت رغبة الإدارة الأمريكية في الانسحاب من أي ترتيبات امنية تتضمن استخدام قوات أمريكية في المنطقة والإعتماد بدلاً عن ذلك على ترتيبات أمنية إقليمية يقودها حلفاؤها في المنطقة(ومنهم السعودية ودول الخليج) الا ان تنامي القدرات العسكرية الحوثية وتزايد خطابها “المقاوم” الذي لم تنال منه الهجمات الامريكية والإسرائيلية السابقة، بات يهدد أثنَين من اهم ركائز الأمن القومي الأمريكي وهما حرية الملاحة، وتدفق النفط للأسواق العالمية. هذا فضلاً عن تهديده المباشر للمشروع الترامبي الخليجي. فالعلاقات والتفاهمات والاتفاقات الترامبية مع دول الخليج (السعودية وقطر والأمارات) تعدت حدود الدعم الأمريكي لأصدقاء اقليميين لتصل الى مرتبة التحالف الاستراتيجي. هذا التحالف الأستراتيجي قد يفوق في أهميته -بالنسبة لترامب على الأقل- حتى التحالف الأستراتيجي مع الكيان الصهيوني. لذلك فأن أي تهديد لهذا التحالف يعني تهدياً مباشراً، بل التزاماً قانونياً امريكياً بالانخراط في مواجهة عسكرية أمريكية-حوثية. ولكي نفهم ابعاد هذا التحالف من جهة وأهمية الخليج العربي للأمن القومي الأمريكي من جهة أخرى فيجب الاستعانة بلغة الأرقام التي ستوضح لنا خطورة التهديد الحوثي ولماذا يمكن ان يكون بؤرة الانفجار القادم في المنطقة.

اترك رد