ماذا ينتظرنا في 2026 (1) السعودية هي الحصان الأسود

منقذ داغر
في سلسلة من المقالات التي نشرتها عبر جريدة الزمان في مثل هذا الوقت من العام الماضي محاولاً فيها التنبؤ بما يمكن ان تحمله هذه السنة التي تشرف على نهايتها، قلت ان هناك دوري قائم بين ثلاث مشاريع إقليمية هي :الحفاظ على الكاشان الإيراني، وصعود الحلم العثماني، وتمدد المشروع الاستيطاني. فالايرانيين سيسعون بقوة للحفاظ على سجادتهم التي فرشوها عبر هلالهم “المقاوم” والتي تأثرت كثيراً بنتائج 7 أكتوبر 2023، فيما يسعى الخليفة العثماني لاستثمار ما حققه عبر سوريا للتمدد جنوباً. اما امشروع الصهيوني فلن يدخر أي جهد ليس للتمدد جغرافياً، بل لتعزيز مكاسبه الاستراتيجية وضمان امنه الدائم. وقلت ايضاً ان هناك ملامح لدخول لاعب إقليمي جديد، لدوري المشاريع هذا، هو اللاعب السعودي الذي اثبت انه يتمتع ببراغماتية نادرة في هذه المنطقة، ويجيد قراءة نقاط قوته وضعفه فضلاً عن اجادته لقراءة الموقف الجيوستراتيجي الدولي.
لن أقول ان كل ما تنبأت به قد حصل، رغم ان معظمه حصل فعلاً، لكني أقول ان 2025 شهدت: مزيد من الخسائر في المشروع الإيراني بعد ان استثمر اللاعب الصهيوني الموقف الإقليمي والامريكي بعد 7 أكتوبر 2023 ليشن حرباً على ايران في حزيران 2025 لتدمير أحد اهم أعمدة قوتها الخشنة (المشروع النووي) ويعمق خسائر مشروع مجاميعها الإقليمية المسلحة سواءً في لبنان او اليمن او العراق. وبات المشروع الصهيوني اليوم اكثر ادراكاً لأهمية استثمار ما تحقق في الإقليم لإبرام مزيد من الإتفاقات (الإبراهيمية او سواها) التي تضمن مزيداً من الأمن له اقليمياً، فضلاً عن الإستفادة من درس هجوم 7 أكتوبر لضمان عدم تكراره فلسطينياً سواء من خلال مشروع غزة الاستثماري او من خلال اعتدة رسم حدود تواجد الفلسطينيين في الضفة الغربية. اما المشروع العثماني فلا يبدو انه حقق مزيد من الاختراق خارج الحدود السورية ويبدو ان افتقاده للتمويل اللازم لاستثمار ما حققه في سوريا فضلاً عن كثرة انشغالاته الجيوستراتيجية في اكثر من منطقة قد حدّ من قدراته على تحقيق مزيد من النجاحات ابعد من إقناعه لمقاتلي حزب العمال الكوردستاني لالقاء سلاحهم والانخراط بالسياسة. لكن ماذا عن الوافد الجديد لدوري الأضواء الإقليمي واقصد به المشروع السعودي؟
كل ما حصل في 2025 يعزز الاستنتاج بأن السعودية نجحت في ان تكون الحصان الأسود في دوري المشاريع الإقليمية. لقد عززت علاقات أمريكا المتميزة مع السعودية اقتصادياً من نفوذها الاستراتيجي في المنطقة. لم يتجسد ذلك في حجم ونوع المشاريع التي تم التوقيع او الاتفاق عليها سواء خلال زيارة ترامب للسعودية في آيار الماضي او ابان زيارة ولي العهد السعودي الى واشنطن في تشرين الثاني الماضي ولا في نوع الاستقبال غير المسبوق للزائر السعودي، بل وفي إعادة تأهيل النظام السوري الجديد وفي مباركة الاصطفاف الإقليمي الذي باتت تقوده السعودية كقوة إقليمية صاعدة تنافس في نفوذها داخل واشنطن النفوس الصهيوني حتى وان كانت ما زالت بعيدة عن التفوق عليه.
ان اهم محددَين لصعود السعودية كقوة إقليمية في المنطقة هما النفوذ الإيراني الذي يحاصر السعودية من الشرق والجنوب والشمال. لقد قلّ كثيراً التهديد للسعودية من جهة الشمال(العراق) او انتهى في ظل حكومة السوداني اذ لم يحصل أي تهديد ميليشياوي من الأراضي العراقية مشابه لما حصل في حزيران 2019 بعد مهاجمة منشآت آرامكو من قبل الحوثيين، و ما حصل في كانون الثاني 2021 عندما أعلنت “الوية الوعد الصادق” عن مهاجمتها للعاصمة السعودية الرياض. كما ان التهديد من الشرق للسعودية قد قل كثيراً بعد ان باتت ايران تسعى لتجنب أي مواجهة إقليمية قد تزيد من عزلتها ومشاكلها الدولية. لكن المشكلة الأكبر تبقى في الجبهة الجنوبية التي توقعت في مقالي في السنة الماضية انها يمكن ان تشتعل عسكرياً بخاصة بعد التطورات الأخيرة التي اسفرت عن سيطرة جماعة يمنية مدعومة اماراتياً على مدينة حضرموت، فضلاً عن احتجاز موظفين امميين من قبل الحوثيين في صنعاء، وانباء عن حشود سعودية عسكرية قرب الحدود اليمنية.
ان الصراع الحوثي-السعودي-الاماراتي للسيطرة على اليمن يتوقع له ان يشهد مزيد من التصعيد. وما لم تتفق السعودية والامارات على موقف موحد من هذا الملف فسيبقى المشروع السعودي الإقليمي مهدداً بقوة. لكن ما انعكاسات كل هذه التطورات الاقليمية على الداخل العراقي؟ هذا ما سأعالجه في المقال القادم.

اترك رد