منقذ داغر
انتهيت في المقال السابق الى الاستنتاج بأن اليمن هي بؤرة التهديد المحتملة والتي قد تنفجر أي لحظة في 2026. وقلت ان الخليج العربي في ظل عقيدة ترامب التي صيغت على شكل استراتيجية الامن القومي ونُشرت قبل أسابيع، قد يتفوق في أهميته الاستراتيجية حتى على “إسرائيل”! ولذلك فأن الخليج العربي اذا عطس سيصاب البيت الأبيض او العالم بالزكام او حتى الانفلونزا الحادة. لكن ماهي أسباب ذلك؟
- لقد بُنيت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في المنطقة على ترتيبات إقليمية يقوم بموجبها حلفاؤها بدور صمام الامان في المنطقة دون اضطرار أمريكا لاستخدام قواتها. هذا يستلزم تفوقاً عسكرياً استراتيجياً على إيران من جهة والمساعدة على كبح أي تهديد أمنى سواء من داعش او حتى من الميليشيات المدعومة اقليمياً. هكذا نفهم الموافقة على تزويد السعودية ليس فقط بمنظومات أسلحة متطورة، بل واعتبارها هي وقطر حليفين مشابهَين لحلفاء اميركا في الحلف الأطلسي وهو ما يتيح قانونياً لأمريكا التدخل العسكري في أي لحظة تقدر فيها ان امن حلفائها بات مهدداً. لذلك فأن تأمين المصالح الأمريكية التي ستتضح لاحقاً، يقوم على وفق الاستراتيجية الامريكية على ضمان التفوق الإقليمي لدول الخليج العربي والمشروع السعودي تحديداً.
- قد لا تكون الولايات المتحدة بحاجة لنفط الخليج بسبب اكتفائها ذاتياً، لكن هذه المنطقة لا تزال هي الأهم لسوق الطاقة العالمي. وان أي هزة امنية فيها ستؤدي لزلزال عنيف، بل تسونامي يضرب سوق الطاقة والأقتصاد العالمي وستصل آثاره حتماً لشواطئ أمريكا. فهناك أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام والمكرر تمثل ثلث الإنتاج العالمي تمر يومياً عبر الخليج العربي. وأن 40% تقريباً من الاحتياطي النفطي العالمي و21% من احتياطي الغاز العالمي موجودة تحت رمال ومياه الخليج العربي. هذا فضلاً عن ان 15% من تجارة العالم تمر عبر باب المندب الذي يسيطر عليه الحوثيون.
- تزايدت خلال السنوات الأخيرة الأهمية الاقتصادية للخليج العربي ليس من زاوية الطاقة فقط، ولا من زاوية التجارة العالمية، بل من نافذة الاستثمار العالمي. فدول الخليج بصناديقها السيادية الترليونية باتت واحدة من اهم منصات الاستثمار العالمي. ويكفي الإشارة هنا الى ان السعودية وقطر والامارات وقعت على اتفاقات استثمارية مع ترامب تتجاوز قيمتها الإجمالية 4 تريليون دولار. ولم تكتفِ دول الخليج بكونها مصدراً للمال بل صارت واحدة من اهم أسواق جذب الاستثمار العالمي Foreign Direct Investment (FDI) بحصة بلغت 5% من سوق الاستثمار العالمي وبقيمة بلغت 523 مليار دولار في 2023. وتأتي الولايات المتحدة وبعدها بريطانيا في مقدمة المستثمرين في الأسواق الخليجية.
- تحتفظ الولايات المتحدة بإثنين من أكبر قواعدها العسكرية في العديد(قطر) فضلاً عن مقر اسطولها الخامس في البحرين. كما ان مياه الخليج العربي هو بوابة ترامب لفرض سياسة الضغوط القصوى تجاه إيران. بالتالي فأن أي تهديد لأمن الخليج هو تهديد مباشر للأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة بخاصة اذا كان مصدر هذا التهديد ايران او أحد وكلائها في المنطقة.
هذه الحقائق وسواها تثبت مقولة ان الخليج العربي إذا عطس فسيصاب العالم والبيت الأبيض بالزكام. بالتالي فأن تصور اغفال او تغاضي أمريكا عن انفجار الوضع- المأزوم حالياً- على الحدود الجنوبية للسعودية بسبب القتال الدائر بين الحوثيين واعدائهم المختلفين هو تصور غير واقعي. ولا زلت اعتقد ان 2026 يمكن ان يشهد انفجاراً للأوضاع في اليمن أما بالصيغة السورية حيث يتم اسناد ودعم اليمنيين المعارضين للحوثيين للزحف باتجاه صنعاء، أو توسع الحرب الاهلية والإقليمية التي مصدرها الحوثيون بطريقة تقود الى تجدد الهجوم الامريكي-الإسرائيلي للقضاء على الحوثيين. ويبدو السيناريو الثاني اقل احتمالاً في ضوء فشله في المرات السابقة.
بقي العراق وموقعه في التغيرات الإقليمية المتوقعة في 2026 وهو ما ستتم مناقشته في مقال قادم.