منقذ داغر
“عندما تركب السياسة مع الدين في نفس العربة فانتظروا العاصفة” فرانك هربرت- كاتب-
من المفارقات الغريبة للاحتلال الأمريكي،أنه مكّن الاسلام السياسي في العراق من تسلم مقاليد الحكم في العراق وأن تكون له اليد العليا في التأثير على السياسة العراقية. ومع ان (30% تقريباً) من أعضاء مجلس الحكم الذين عينهم المحتل الأمريكي في تموز 2003 كانوا من الاحزاب الاسلامية(شيعية،سنية،كردية) ،الا اني لا أميل لفرضية المؤأمرة الأميركية لأسلمة الحكم في العراق،وأعترف أن تلك الأحزاب(كالدعوة والمجلس الاعلى والحزب الاسلامي) كانت أكثر تنظيماً وتجربةً من الاحزاب غير الاسلامية. لذا لا أعتقد أن الاميركان كانوا يقصدون أسلمة الحكم(كما يحلو للبعض قوله) بقدر ما أن ظروف ما بعد نيسان 2003 ساعدت كثيراً في نمو ظاهرة الاسلام السياسي في العراق بخاصة وان نظام الحكم السابق لم يكن يسمح لأي حزب مهما كانت توجهاته بالعمل في العراق مما خلف فراغاً حزبياً بعد سقوط النظام.ولأن القوى والتنظيمات اللا اسلامية فيما سمي بالمعارضة العراقية للنظام لم تكن في اغلبها سوى تنظيمات الرجل الواحد one man show دون ان يكون لها أيدلوجية بل وحتى برنامج سياسي عميق(عدا أسقاط النظام)،فقد تمكنت الأحزاب الاسلامية بما تمتلك من خبرة وتنظيم وآيدلوجية ودعم أقليمي من أن تملأ ذلك الفراغ الحزبي بسرعة. كما ان ظروف هدم الدولة،والفوضى الناجمة عن الأحتلال وصعود الهويات الفرعية الطائفية ساعد كثيراً في نشوء أحزاب وتنظيمات اسلامية جديدة (كالتيار الصدري وحزب الفضيلة…الخ) وأرتقاء التنظيمات الاسلامية القديمة.
لستُ هنا بصدد تحليل ظروف النشوء والارتقاء للاحزاب والتيارات الاسلامية في العراق ولا حتى تحليل تاريخها وتوجهاتها الفكرية المتباينة، بل سأركز على مدى تأثير تلك التنظيمات في الحياة السياسية في عراق ما بعد الأحتلال بناءً على وزنها النسبي في كل الدورات البرلمانية منذ 2005 ولحد الآن. سيكون عدد مقاعد الأحزاب الاسلامية في كل برلمان هو الفيصل في تحديد التأثير النسبي لتلك الأحزاب المتشابهة آيدلوجياً، مع أعترافي أن التأثير لا يقاس فقط بعدد المقاعد فقط. من جهة أخرى أود التنبيه الى أنه على الرغم من صحة الافتراض بأن المقابل النوعي لتلك الاحزاب الاسلامية في البرلمان كان في الغالب أحزاب وتنظيمات وتيارات قريبة من التوجهات العلمانية،الا ان من الخطأ (علمياً ومنهجياً) تصنيفها أنها علمانية كون أغلبها لا تمتلك أدبيات حزبية وآيدلوجية موثقة تصلح للحكم بأنها تنظيمات علمانية. لذلك سأستخدم مصطلح قوى غير إسلامية للاشارة لتلك التنظيمات. هذا المصطلح لا يقصد به أن هذه القوى لا تؤمن بالأسلام بل يقصد به أن تلك الأحزاب والتنظيمات لم تُعلن أن مرجعيتها الفكرية أو الآيدلوجية مرجعية أسلامية.

بعد مراجعة وتحليل خريطة القوى البرلمانية في العراق منذ اول دورة برلمانية في 2005 يتضح لنا ان الإسلاميين (شيعة وسنة) كان لهم دوماً تأثير نسبي كبير في البرلمان العراقي . شكل الاسلاميون حوالي ثلثي اول دورة برلمانية ( 65% من المقاعد)، وشكلوا 54% من الدورة البرلمانية الثانية . ثم عادوا ليصعدوا الى 61% من مقاعد الدورة الثالثة. مع ذلك يلاحظ أن الناخب العراقي قد أنقلب على القوى الاسلامية في دورة 2018 بعد ان حملها مسؤولية الفشل الذي عانى منه العراق منذ 2003 . وقد تجلى ذلك فيما بعد في انتفاضة تشرين التي أكدت هذا الاستنتاج بخاصة وان القوى الحاكمة لم تفهم مغزى نتائج انتخابات 2018 والانقلاب الذي حصل فيها. كانت دورة 2018 هي اول دورة برلمانية انخفضت فيها نسبة مقاعد الإسلاميون الى ما دون النصف (46%) و صار غير الاسلاميين يشكلون أغلبية بسيطة في البرلمان(52%). أما في انتخابات 2021 والتي سبق وأسميتها بالانقلاب البنفسجي على الطبقة السياسية الحاكمة فقد حصدت القوى غير الاسلامية نجاحاً منقطع النظير حيث بلغت نسبة مقاعدها في البرلمان 57%، وأصيبت قوى الإسلام السياسي بتراجع شديد في ثقلها النسبي في البرلمان لتصبح 40% فقط ،على الرغم من مقاطعة معظم القوى غير الاسلامية للانتخابات مقابل مشاركة كل قوى الاسلام السياسي(الشيعي والسني والكوردي) فيها. غير ان مقاطعة القوى المدنية للانتخابات والتي ترافقت مع حملة كبيرة قادها المؤثرون والمثقفون العراقيون لأقناع الناخبين بالمقاطعة من جهة، وفشل ممثلي القوى المدنية (والتشرينية) في برلمان 2021 من جهة ثانية، ونجاح قوى الإسلام السياسي الحاكمة والمتمرسة في شن حملة لشيطنة تشرين وقواها المدنية من جهة ثالثة أدى الى خسارة مكاسب برلمان 2021 بالنسبة للقوى المدنية والتي تراجعت نسبتها من 57% في البرلمان السابق الى 44.6% في البرلمان القادم. لكن هذا التراجع في وزن القوى المدنية لم ينتج عنه صعود كبير لقوى الإسلام السياسي التي أحرزت 130 مقعداً شكلت ما نسبته 39.5% مما يعني استمرار تراجع تأثير تلك القوى والذي بدأ في 2018 كما اسلفت(لاحظ الشكل).
من جهة أخرى فقد شهدت ظاهرة الأحزاب والتكتلات المختلطة او غير واضحة المعالم نمواً كبيرً في هذه الانتخابات بعد ان شكلت ما نسبته 2-4% فقط من مقاعد البرلمانات الثلاث الأخيرة. يقصد بالأحزاب غير واضحة المعالم او المختلطة هي تلك الأحزاب والكتل الانتخابية التي لا يمكن تمييز توجهاتها ومبنياتها الفكرية اذ تجد فيها من يؤمن بالدولة الدينية في ذات الوقت الذي تجد فيها من ينادي بالدولة المدنية. انها تفتقد عموماً لايدلوجية فكرية واضحة ومبنية غالباً على تحالفات انتخابية مؤقتة. او هي خليط من افراد وقوى مدنية وإسلامية سابقة او اقليات عرقية. لعل تكتل الاعمار والتنمية الذي فاز بأكثر مقاعد برلمانية من بين الكتل المتنافسة أفضل مثال على هذا التصنيف الذي فيه حزب جند الامام بقيادة احمد الاسدي وتحالف الوطنية بقيادة علاوي(العلماني). لقد زادت نسبة التكتلات غير واضحة المعالم في البرلمان القادم لتبلغ حوالي 19%. هذا يعني ان كل من الاسلاميين والعلمانيين-ان صح التعبير- فشلوا في اقناع الشارع العراقي بتوجهاتهم الفكرية مما أدى لتراجع عدد مقاعدهما لصالح التكتلات غير واضحة المعالم والتي تضم ما اسميته سابقاً بالخليط الجذاب للعراقيين وهو فكر مدني او علماني بقيم دينية راسخة وواضحة.