منقذ داغر
واضح من المقال السابق ان مبدأ مونرو شكل حجر الزاوية للسياسة الخارجية الامريكية في اميركا ومجالها الاستراتيجي منذ قرنين من الزمن للآن وهو مبدأ لم يحُدْ عنه أي رئيس امريكي. لكن هذا المبدأ شهد تطوراً وتوسعاً واضحاً في مفهومه وتطبيقاته ليتحول الى قدس الأقداس للسياسة الأميركية بخاصة بعد ان أضاف الرئيس روزفلت ملحقاً رسمياً سمي بملحق روزفلت Roosevelt Corollary في 1904 ينص على ان أمريكا ستلعب دور “الشرطي الدولي” لمنع دول اميركا من ممارساتها الخاطئة المزمنة والتي تدخلها في مشاكل مالية تستدعي تدخل الأوربيين والقوى الأخرى في شؤونها بما يهدد الأمن القومي الأمريكي. ومع ان هذا المبدأ وملحقه (الروزفلتي) كانا لا يميزان بوضوح في كثير من الأحيان بسبب انخراط وانشغال أمريكا في شؤون العالم المختلفة وتشعب مصالحها الاستراتيجية في مختلف دول ومناطق العالم، الا ان الرئيس ترامب أعاد لهذا المبدأ اولويته وألمعيته وحيويته حينما نص عليه في صلب استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي صدرت في نوفمبر 2025 ونصت صراحةً في صفحتها الخامسة على ما أسمته بملحق ترامب الملزم لمبدأ مونرو The Trump Corollary to the Monroe Doctrine. وهكذا تمت كتابة فصل جديد وملحق آخر لمبدأ مونرو يطلق العنان ليد أمريكا في القارة اللاتينية استناداً الى ما يصح تسميته بالحتمية المونروترامبية الجديدة.
لقد مرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي على الكثيرين، وبخاصة في عالمنا العربي، دون ان يتم تمحيصها وقراءتها جيداً. أن هذه الاستراتيجية تعد تغييراً جذرياً في استراتيجية الامن القومي الأمريكي من حيث أهدافها التي أصبحت اكثر تركيزاً وأولوياتها التي باتت اقل عدداً. لم تعد مثلاً منطقة الشرق الأوسط التي طالما مثلت أهمية خاصة للإدارات الأمريكية المختلفة، ذات أهمية مشابهة للسابق. فقد نصت الاستراتيجية الجديدة على ان ” الأيام التي هيمن فيها الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية في كل من التخطيط طويل الأجل والتنفيذ اليومي قد ولت لحسن الحظ -ليس لأن الشرق الأوسط لم يعد مهماً، ولكن لأنه لم يعد مصدر إزعاج مستمر، وليس مصدراً محتملاً لكارثة وشيكة، كما كان عليه في السابق…. ومع قيام هذه الإدارة بإلغاء أو تخفيف سياسات الطاقة التقييدية وزيادة إنتاج الطاقة الأمريكي، سيتراجع السبب التاريخي الذي دفع أمريكا للتركيز على الشرق الأوسط”.
مقابل ذلك حظي ما يسمى بنصف العالم الغربي (كناية عن القارتين الأمريكيتين) بأهمية خاصة وضعته في مقدمة مناطق اهتمام استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. لقد نصت هذه الاستراتيجية انه ” بعد سنوات من الإهمال، ستعيد الولايات المتحدة تأكيد وتطبيق مبدأ مونرو لاستعادة تفوق أمريكا في نصف الكرة الغربي، ولحماية وطننا ووصولنا إلى جغرافيات رئيسية في جميع أنحاء المنطقة. سنحرم المنافسين غير نصف الكرة الأرضية من تموضع القوات أو القدرات الأخرى المهددة (لأمننا)، أو امتلاك أو السيطرة على أصول استراتيجية حيوية، في نصفنا الخاص من العالم”. ولاحظا عبارة نصفنا الخاص من العالم التي تلخص رؤية مبدأ مونرو للقارتين الأمريكيتين بأنهما المجال الحيوي الأستراتيجي الذي لا يسمح فيه لأي لاعب إقليمي أو دولي ان يتجرأ ويهدد الأمن القومي الأمريكي. ولتحقيق هذا الهدف فأن هناك طريقين نصت عليهما الوثيقة هما “الاستقطاب والتوسع”. فمن جهة سيتم استقطاب حلفاء اقليميين للسيطرة على الهجرة، ووقف تدفق المخدرات، وتعزيز الاستقرار، والأمن براً، وبحراً. ومن جهة أخرى سيتم توسيع علاقات اميركا مع جيرانها لتصبح الشريك الاقتصادي الأهم والموثوق ومنع المنافسين الدوليين الآخرين (كالصين وروسيا وحتى إيران) من التواجد في هذا المجال الأمريكي الأستراتيجي.
لقد تم حرفياً تطبيق ما ورد في وثيقة الأمن الأستراتيجي مبتدأين بفنزويلا كحالة قياسية يتم البناء عليها في كل الحالات الأخرى في القارة. وأن كل ما هو متوقع ان يحصل في أمريكا الجنوبية لاحقاً ما هو الا تكرار مماثل او مشابه لما جرى في فنزويلا وبطريقة تتسق مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. فتطبيقاً لأسلوب الاستقطاب أعلاه، لم يجرِ اسقاط النظام الفنزويلي وإنما استبداله بآخر سيقيم – سواءً بأراداته او غصباً عنه – علاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة. وتطبيقاً لأسلوب “التوسع” فستضاف فنزويلا الى قائمة الدول الحليفة بعد ان كانت عدوة وسيتم إيقاف الإستثمارات والأصول الاستراتيجية الصينية والروسية والإيرانية المهددة للأمن القومي الأمريكي. لكن ما هي هذا الإستثمارات والأصول؟