منقذ داغر
أميركا أذاً جعلت فنزويلا سابقة لسياساتها اللاحقة ليس في اميركا الجنوبية فقط وأ نما في العالم كله. ولا يبدو هذا الإخراج السينمائي للقبض على مادورو موجهاً للإستهلاك المحلي، وهو بالتأكيد موجهاً له، لكنه يتعدى ذلك للاستهلاك الإقليمي والدولي. ولذلك سارعت الأمم المتحدة عبر الناطق بلسان امينها العام الى القول ان ما حصل يشكل سابقة دولية خطيرة مشدداً على أهمية احترام القانون الدولي. فالجميع يدرك ان إدارة ترامب تريد إعادة رسم العلاقة الأمريكية مع العالم استناداً للمصلحة الأميركية وليس أي شيء آخر. وعبر هذا الفعل أرسلت أمريكا رسائل قوية الى منافسيها وخصومها بأنها لن تسمح لهم بالاقتراب من حدودها او تهديد امنها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. ففضلاً عن تهديد فنزويلا وعدد من دول أمريكا الجنوبية للأمن القومي الأمريكي من خلال الهجرة غير الشرعية او تجارة المخدرات كما تقول الإدارة الأمريكية، فأنها فتحت حدودها واراضيها وما تحتها للاستثمار الأجنبي المعادي لأمريكا والمهدد لها وتحديداً من قبل الصين وروسيا وإيران. ولذلك صرح ترامب بأنه «لن يتم التشكيك في الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى»
لكن ما الذي جعل ترامب تعطي الأولوية للهجوم على فنزويلا وجعلها أمثولة لكل دول القارة؟ ابتداءً فأن هذا الهجوم وهذه الصفحة الجديدة التي تم تدشينها في “نصف العالم الغربي” كما يحلو لأمريكا تسميته لا يخلو من بعد آيدلوجي قد لا يبدو ظاهراً للعيان. فكثير من دول أمريكا الجنوبية تصنف امريكياً بأنها دول أشتراكية او ثورية “غير صديقة”. ومن أبرز هذه الدول كوبا، وبوليفيا، وتشيلي وكولومبيا. بل ان دول أكبر تقع ضمن مجال أمريكا الحيوي مثل المكسيك والبرازيل تقوها أحزاب وقادة اشتراكيون لا يصنفهم ترامب بأنهم أصدقاء. لكن هذا البعد الآيدلوجي الذي يكرهه ترامب لا يكفي لأثارة شهيته نحو البدء بأسقاط النظام في فنزويلا. فالمؤكد ان البعد الأستراتيجي لفنزويلا اهم بكثير لدى ترامب وادارته. ففنزويلا هي صاحب الاحتياطي الأكبر من النفط عالمياً ((حوالي 303 مليارات برميل) هذا فضلاً عن كونها ضمن اعلى عشرة احتياطات للغاز عالمياً. وتمتلك فنزويلا احتياطات ذهب تقدر قيمتها بنصف تريليون دولار لكنها غير مستغلة للان. ان الميزة الاستراتيجية للثروات الطبيعية الفنزويلية لا تكمن فقط في قيمتها العالية التي تجعل الشركات الأمريكية-وسواها- يسيل لعابها عليها بل في قيمتها التنافسية التي تمكّن من يسيطر عليها ان يكون لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي. ان المتتبع لتاريخ العلاقات الأمريكية الفنزويلية يلاحظ ان هذه العلاقات ساءت بشكل ملحوظ بعد وصول هوغو شافيز للسلطة في فنزويلا عام 1998 وتصاعد التوتر مع سياساته المعادية للولايات المتحدة. صاحب ذلك استدارة خطيرة -من وجهة النظر الامريكية- في سياسات فنزويلا تمثلت في تحالفات استراتيجية مع كوبا، وروسيا والصين. فاقم هذا من ازمة العلاقات الامريكية الفنزويلية حتى وصلت الى مستوى خطير في ولاية ترامب الأولى والتي قرض فيها عقوبات اقتصادية في 2017. بمعنى ان مادورو قد لعب بالنار من وجهة نظر أمريكا عندما جلب خصومها ليهددوا حدودها الجنوبية بالشكل الذي يخرق مبدأ مونرو الذي اشرنا له في المقالات السابقة. من هنا نفهم تصريح الرئيس ترامب ووزير خارجيته ان” واشنطن لا تحتاج إلى نفط فنزويلا، لكنها لن تقبل بأن تظل أكبر احتياطيات نفطية في العالم تحت سيطرة الصين، أو روسيا أو إيران أو أطراف معادية أخرى”.
لقد كانت الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في عام 2024 (حوالي 1.6 مليار دولار للنفط ومشتقاته)، وشهدت الصادرات الفنزويلية للصين نموًا قياسيًا في النصف الأول من 2025 (زيادة 120%)، مع تنويع يتجه نحو المنتجات الزراعية والصناعية الخفيفة، بينما تستورد فنزويلا بشكل أساسي السلع المصنعة كالسيارات والمعدات والتكنولوجيا من الصين. وتشتري الصين حاليًا أكثر من 90% من إجمالي صادرات النفط الفنزويلية. ومنحت فنزويلا شركتين صينيتين عقوداً لإنتاج الخام على مدى 20 عامًا.
أما ما يخص المنافس الاستراتيجي الثاني لأمريكا (روسيا)، فقد اعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مؤخراً خلال زيارته لموسكو عن استثمارات روسية بقيمة 6 مليارات دولار. كما وقع الجانبان معاهدة الشراكة الاستراتيجية في 7 مايو لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد تلقائياً. ومن أبرز أولويات المعاهدة: إنشاء بنية تحتية مالية لتسهيل التجارة وتعزيز الاستثمارات المشتركة في قطاعات رئيسية مثل الطاقة، الغاز، والتعدين. في نفس الوقت عززت فنزويلا خلال العقدين الماضيين من علاقاتها الاستراتيجية مع ايران التي هي من اهم خصوم أمريكا-ترامب. وقد توثقت هذه العلاقات مؤخراً الى الحد الذي جعل نظام مادورو ينشئ لوحة جدارية في أحد شوارع العاصمة الفنزويلية كراكاس، تكريماً للجنرال قاسم سليماني، يظهر فيها صورة للأخير إلى جانب الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز. وفي 2022 وقعت إيران وفنزويلا وثيقة تعاون مدتها 20 عاما للمشاركة في مشاريع النفط والدفاع. وفي 2023 قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال زيارة لكراكاس إن إيران وفنزويلا تتطلعان لزيادة التبادل التجاري إلى 20 مليار دولار ارتفاعا من ثلاث مليارات. كان قطاع الطاقة المحور الأساسي والأكثر كلفة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ففي مايو 2022، وُقّع عقد تحديث مصفاة “إل باليتو” بقيمة تقارب 110 ملايين يورو، ودخلت أجزاء من المشروع حيز التشغيل خلال عام 2023. كما جرى تنفيذ مشروع أوسع لتحديث مجمع باراغوانا التكريري، وهو الأكبر في فنزويلا، وتُقدّر القيمة الإجمالية لهذه المشاريع بأكثر من 460 مليون يورو.وفي مجال النقل البحري، تعود صفقة بناء أربع ناقلات نفط من طراز أفراماكس بين شركة “صدرا” الإيرانية وشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) إلى الأعوام 2006–2007. وتُقدّر قيمة كل ناقلة بين 30 و35 مليون دولار، أي ما مجموعه 120 إلى 140 مليون دولار.كذلك، أعلن المدير التنفيذي لشركة التكرير والتوزيع الإيرانية (NIORDC) أن إيران قامت خلال عام 2024 وحده بإنتاج وإرسال أكثر من 1.7 مليون قطعة ومعدة تكرير.