منقذ داغر
لا ادري ما السر وراء تاريخ 3 ك2 لدى أمريكا والجمهوريون منهم بالذات. فقد بحثت عن خصوصية هذا اليوم في التاريخ الأميركي لكني لم أجد شيء ذي قيمة! مع ذلك فأن من الصعب تبرير احتمال تكرار حصول ثلاث أحداث عالمية مهمة ومتشابهة في ظرف 35 سنة من قبل ثلاث إدارات اميركية جمهورية مختلفة!! كل هذه الحوادث الثلاث ترتبط بالقضاء على خصوم اميركا في ثلاث دول مختلفة. ففي 3 ك2 1990 قام الرئيس الأمريكي بوش الأب ب (القبض) على رئيس بنما “نورييغا Noriega” واقتياده الى الولايات المتحدة لمحاكمته بعدما تم غزو بلده من قبل القوات الامريكية. وفي نفس التاريخ بعد ثلاثين سنة،أي في 2020 تم اغتيال الجنرال قاسم سليماني ورفيقه ابي مهدي المهندس في بغداد من قبل إدارة ترامب آنذاك. ثم بعد خمس سنوات وفي نفس التاريخ بالضبط تقوم إدارة ترامب (الثانية) بالهجوم على فنزويلا والقبض على رئيسها مادورو Maduro وجلبه لنيويورك لمحاكمته!!! ولا يتجسد القاسم المشترك الأعظم لهذه الحوادث الثلاث بكونها تمت من قبل إدارات أمريكية جمهورية ضد من صنفتهم بأنهم أعداء لأمريكا، بل في تجسيد وتكريس القطبية الأحادية الدولية التي تجعل القانون الأمريكي يعلو على القانون الدولي وثوابته. في نفس الوقت فأنها تكرر عجز أي منظمة دولية- كالأمم المتحدة- او قطب دولي-كالصين وروسيا- عن منع أمريكا من تكرار هذه الحوادث طوال ثلاث عقود ونصف منذ سقوط الاتحاد السوفيتي والذي أنهي حقبة الثنائية الدولية، ودشن حقبة جديدة في النظام العالمي الجديد تضع أمريكا في مرتبة مقرر ذلك النظام وشرطيه وقاضيه.
منذ اقراره في 1823 ظل مبدأ مونرو واحداً من أهم ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية. وعلى الرغم من أن أهميته كانت تتباين من إدارة أمريكية لأخرى ومن ظرف عالمي لآخر الا ان المؤكد ان احداً من الرؤساء الأميركان لم يعلن عن انتهاء هذا المبدأ الذي سنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو James Monroe في خطابه امام الكونغرس في ديسمبر 1823. وحتى حينما أعلن وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس أوباما، جون كيري في خطاب ألقاه أمام منظمة الدول الأمريكية عام 2013، “انتهاء حقبة عقيدة مونرو “، وصفت وسائل الاعلام ذاك الخطاب بأنه مجرد كلمات جوفاء. ولم يكن الرئيس ترامب هو اول من استند لهذا المبدأ عند هجومه على فنزويلا ورئيسها مادورو فقد شهد تاريخ السياسة الأميركية الخارجية تطبيق فعلي لهذا المبدأ أكثر من مرة أهمها خلال ازمة الصواريخ الكوبية في عهد الرئيس كيندي عام 1962 حين عدت الولايات المتحدة نصب صواريخ روسية في كوبا تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي وكادت حرب نووية ان تندلع آنذاك. كما ان الرئيس بوش الأب استند الى ذات المبدأ في هجومه على بنما عام 1989 والقبض على رئيسها في 1990. ويبدو من تصريحات اركان الإدارة الأميركية الحالية وعلى رأسهم ترامب ووزير خارجيته ان تطبيق هذا المبدأ لن يتوقف عند الهجوم على فنزويلا فدول مثل ينما وكولومبيا وحتى المكسيك قد ذُكرت بالاسم كونها مرشحة لضربات او هجمات أميركية قادمة لأسباب تتعلق بشكاوى من تهديدها للأمن القومي الأمريكي. لكن ما هو مبدأ مونرو؟
في بداية القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة قد انتهت للتو من حربها مع بريطانيا واستقلت بالكامل كما ان دول أمريكا الجنوبية وهي القارة المتاخمة للحدود الامريكية، نالت استقلالها من اسبانيا والبرتغال وبذلك تشكلت كتلة جيو استراتيجية جديدة سُميت بالعالم الجديد او النصف الغربي Western Hemisphere. مقابل ذلك عُدّت أوربا وشرقها العالم القديم او النصف الشرقي من العالم. ولأن لولايات المتحدة كانت تخشى من تهديد استقلالها وأمنها من خلال عودة دول العالم القديم (أوربا تحديداً) للمطالبة بمستعمراتها او إعادة نفوذها فيها فقد وضع الرئيس مونرو مبدأه القائم على ان “العالم القديم” و”العالم الجديد” لهما نظم مختلفة ويجب أن يظلا محيطين منفصلين. وان أي تدخل من أي دولة في العالم في شؤون اميركا الجنوبية فأنه سيهدد بالضرورة الأمن القومي الأميركي ولذلك فلن تسمح به الولايات المتحدة. وأنه لا يحق للقوى الغربية استعمار أي مناطق جديدة في نصف الكرة الأرضية الغربي في المستقبل. كما أن أي محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أي دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمعها سينظر إليها على أنها عمل عدائي ضد الولايات المتحدة. وحتى حينما اندلعت ازمة الديون الدولية لدول اميركا اللاتينية في 1904 وكان معظم الدائنين هم بنوك اوربية فقد تدخلت أمريكا لضمان عدم تدخل اوربا من جديد وذلك من خلال قيام الرئيس ثيودور روزفلت بمخاطبة لكونغرس في 6 ديسمبر 1904 لإضافة ملحق لمبدأ مونرو الأصلي طى للولايات المتحدة الحق في ممارسة “قوة الشرطة الدولية” (International Police Power) للتدخل في شؤون دول الجوار التي تعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية أو تعاني من اضطرابات. هكذا يبدو ان مبدأ مونرو قد وُضع ليدافع عن استقلال وسيادة اميركا الجنوبية ضد أي غزو او تدخل أجنبي، هو في الأساس عقيدة استراتيجية تنص ان اميركا الجنوبية هي المجال الاستراتيجي الحيوي للولايات المتحدة والذي لا يُسمح فيه لأي قوة أخرى -مهما كان مسماها- منافستها او تهديد نفوذها فيه. هنا تبدأ الصورة بالوضوح أكثر ويبدو جلياً ارتباطها بالأحداث التي حصلت قبل يومين في فنزويلا وهو ما سأفصله لاحقاً.