كيف نفهم الهجوم الأمريكي على فنزويلا؟ 4 للعراق وفنزويلا فوهة واحدة

في بداية وثيقة الأمن القومي الأمريكي نص صريح يؤكد ان اميركا يجب ان تديم تفوقها الاقتصادي والعسكري مما يعني انها لن تسمح لمنافسيها الأستراتيجيين ان يهددوا هذا التفوق بأي شكل من الأشكال بخاصة اذا كان هذا التهديد قريب وعلى الحدود الجنوبية لأميركا مثلما هو الحال في فنزويلا وكوبا وبنما وسواها من دول اميركا اللاتينية التي ينظر لها امريكياً على انها تهديد جدي للأمن القومي. ولا يبدو ان اميركا في سبيل ضمان إدامة تفوقها مقتنعة فقط بدور الشرطي اللاتيني الذي ورد في مبدأ مونرو والذي اشرت له فيما سبق، إذ ان ملحق ترامب لمبدأ مونرو Trump Corollary والوارد في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي قد أشار الى استراتيجية التوسع expand والتي تنص على ان امريكا ” تريد من الدول الأخرى ان ترى اننا شريكها الأول، وسنقوم عبر كل الوسائل بتثبيط تعاونهم مع الآخرين”. وأرجو ان تلاحظ مصطلحَي “شريكها الأول” و “عبر كل الوسائل” الواردان هنا واللذان سيسهل تفسيرهما في الحالة العراقية عندما يتم التعرض لها لاحقاً. فمبدأ مونرو في عقيدة ترامب إذاً يمتد الى ما وراء حدود اميركا اللاتينية ليضمن ادامة التفوق الأمريكي. فعلى سبيل المثال ورغم ان إستراتيجية الأمن القومي هذه نصت صراحة على التقليل من أهمية الشرق الأوسط لأميركا وضرورة عدم إدامة التواجد الأمريكي فيه، الا انها نصت صراحة ان أحد أهدافها هي منع الخصوم -يقصد الصين وروسيا وحتى إيران- من السيطرة على الشرق الأوسط. هنا تأتي أهمية المقاربة بين ما حصل في فنزويلا وما يتوقع حصوله في العراق.
أن واحداً من أهم المقاربات التي استرعت انتباهي في الموضوع الأمريكي-الفنزويلي هي أوجه الشبه بين الحالة العراقية والفنزويلية. ففنزويلا مثل العراق،دولة نفطية ريعية بأمتياز. وكما كان العراق يتمتع ببحبوحة اقتصادية في أواسط سبعينات القرن الماضي كانت فنزويلا احد اغنى عشرين دولة في العالم. وكما ان الاعتماد المفرط على النفط والممزوج بغباء قيادته وسوء خياراتها وشعاراتها الثورية الجوفاء أدت الى غزو الكويت بعدما أنخفضت أسعار النفط كثيراً في نهاية الثمانينات، فأن نفس ذلك المزيج الجهنمي (اقتصاد ريعي+شعارات جوفاء+قيادات خرقاء) قاد حكام فنزويلا الى الاستدانة والوقوع في فخ صندوق النقد الدولي وسياساته التقشفية التي وضعت البلاد في ظرف اقتصادي خانق واضطرابات شعبية في تسعينات القرن الماضي قادت لوصول رئيس شعبوي (ثوري) هو “هوغو سانشيز” في 1998 وكان الرئيس الحالي (مادورو) احد مساعديه. وكعادة كل الشعبويين فأنهم يحمّلون المؤامرات والمتآمرين الغربيين كل اخطائهم التي يهربون منها للأمام بدلاً من العودة للخلف لإصلاحها. لذلك جرى تحميل أمريكا كل اوزار واخطاء السياسة الفنزويلية وتم الإرتماء في أحضان الصين وروسيا وايران فضلاً عن التحالف مع كوبا وكل أعداء اميركا العالميين. فما كان من ترامب في ولايته الأولى الا فرض عقوبات أقتصادية شديدة على فنزويلا أدت الى تدهور عملتها بشكل مفزع وانهيار اقتصادها. وعندما دخل ترامب البيض مرة أخرى كان واضحاً انه عازم على اكمال مهمته بالاطاحة بنظام مادورو فحصل ما حصل.
أميركا كما هو واضح دولة لا تؤمن سوى بالمصالح ولا يهمها القانون الدولي واعتباراته الأخلاقية والإنسانية. وهي حينما غزت العراق وأطاحت بنظامه لم تضع كثير من الاعتبارات الإنسانية والدولية . وإذا كان الظرف الدولي والمحلي يختلف اليوم عن 2003 فإن ذلك لا يمنع من أن العراق يمكنه ان يعود للمربع الأميركي الأول بخاصة في ظل إدارة تدرك أهمية العراق الاستراتيجية ليس لها فحسب بل لخصومها الدوليين (الصين وايران). كما انها -أي الإدارة الأمريكية- تعلم ان اميركا قد استثمرت كثيراً في العراق(مادياً ومعنوياً) وهي بطبيعتها لا تحب ان تخسر أي استثمار وتنتقد كل الإدارات التي سبقتها في البيت الأبيض بسبب تلك الخسارات في الشرق الأوسط. هذا فضلاً عن انها تنظر الى العراق بأنه “خاضع” للنفوذ الإيراني والإستثمارات الصينية في قطاعه النفطي بطريقة قريبة مما حصل في فنزويلا.وإذا اضفنا لذلك ان الإدارة الحالية تنظر للعراق كرئة سياسية واقتصادية بل وإستراتيجية لإيران التي تعدها أهم خصومها الإستراتيجيين، فأن الغضب الأمريكي من العراق يزداد ويمكن ان يتحول الى فعل مؤذي للعراق وشعبه،بغض النظر عن كون كل هذه التصورات الأمريكية عن العراق صحيحة ام خاطئة.
أن غزو جديد للعراق صعب بل واشبه بإستحالة حصوله. الا ان أمريكا لم تغزو فنزويلا بجيوشها. هذا لا يعني سيناريو مشابه للقبض على رئيسها فهذا ايضاً مستبعد الحصول جدا. تمتلك اميركا كثير من الأوراق في العراق والتي يمكنها ان تلعبها عندما تقرر ذلك. أن السيناريو الأقرب شبهاً للسيناريو الفنزويلي هو فرض عقوبات منهكة لإقتصاده ،ومستنزفة لموارده، ومقيدة لقياداته المادورية،وهو ما بدأ حصوله فعلاً ويمكنه ان يزداد تدريجياً في الأيام والأسابيع القادمة. وإذا تذكرنا ان المنطقة بدأت بالغليان فعلاً وأن زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن اسفرت عن تأكيد إطلاق يد “إسرائيل” وربما بطريقة اكثر من السابق فأنه من الصعب توقع ان العراق سيبقى بعيداً عن المواجهات القادمة بخاصة عندما تُضرب ايران وشبكاتها. أن مزيج من العقوبات الاقتصادية المتدرجة والضربات العسكرية المنتخبة والعقوبات الفردية هو السيناريو الأكثر ترجيحاً من قبل إدارة ترامب. وإن الفرقاء السياسيين في العراق اذا استمروا في انكارهم للتأثير الإيراني، وتجاهلهم للرسائل الواضحة التي تصلهم من واشنطن سواء عبر تغريدات (غير رسمية) او تصريحات رسمية فأنهم سيتحملون امام التاريخ والشعب العراقي مسؤولية الخراب الذي يمكن ان تتسبب به آلة الدمار الإستراتيجي الأمريكية.

اترك رد