فصل السياسة عن (كل شيء) الا السلاح

شهد تاريخُ تطور الفكر السياسي في العالم دعواتٍ كثيرة لفصل السياسة وفنِّ الحكم عن كثير من المجالات العملية والفكرية، خشيةَ أن تفسدها السياسة ببراغماتيتها الانتهازية، وتقديمِها الممكنَ على أي شيء آخر، وتفضيلِها المصلحةَ على المبادئ. فقد ظهرت دعوات لفصل السياسة عن الاقتصاد، كما في الليبرالية الكلاسيكية عند آدم سميث. ونادى مونتسكيو في كتابه «روح القوانين» بفصل القضاء عن السياسة. أما ميكافيللي فقد نظّر لفصل السياسة عن الأخلاق في كتابه «الأمير» (1513)، على اعتبار أن السياسة لا تخضع لقانون الأخلاق، بل لقانون الممكن. لكنّ أشهر مناداة بالفصل السياسي جاءت على يد روّاد العلمانية (Secularism) الذين نادوا بفصل الدين عن الدولة بوصفها مؤسسة، لا عن السياسة بوصفها ممارسة.
اختلف الكتّاب والمؤرخون في مَن كان أول من نادى بفصل الدين عن الدولة؛ فمنهم من نسب الفكرة إلى الفيلسوف مارسيليو البادوفي (Marsilius of Padua) في القرن الرابع عشر، ومنهم من نسبها إلى جون لوك (John Locke) في كتابه «رسالة في التسامح» (1689)، ومنهم من نسبها إلى توماس جفرسون (Thomas Jefferson) الذي صاغ عبارة «جدار الفصل بين الكنيسة والدولة» في رسالته الشهيرة عام 1802. كما يُذكر الفيلسوف الهولندي سبينوزا الذي بشّر بالفكرة في كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة» (1670).
أما من المفكرين العرب، فيُعدّ بطرس البستاني (1860) من أوائل من رفعوا شعار «فصل الدين عن الدولة» عقب الفتنة الطائفية في الشام، وصاغ مقولته الشهيرة «حب الوطن من الإيمان» بديلاً عن الرابطة الدينية في إدارة الشأن العام. كذلك طرح فرنسيس فتح الله المرّاش (1865) في كتابه «غابة الحق» أفكاراً مبكرة تسعى إلى تحرير السياسة والقانون المدني من سلطة التعصب الديني. لكنّ أبرز من كتب عن هذا الفصل من العرب هو الشيخ الأزهري علي عبد الرازق (1925) في كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، حيث ذهب إلى أن الرسالة النبوية كانت رسالة دين لا نظامَ حكم مدني، وأن شكل الدولة أمر متروك لعقل الإنسان وتطور الجماعة.
لا أريد هنا أن أناقش هذه الأفكار كلها، لكني أودّ طرح تساؤل: إذا كان يُراد للدولة أن تحافظ على حيادها تجاه الجميع، وبالتالي فصلها عن جميع المجالات أعلاه، فهل ظهر مفكرون نادوا بفصل الدولة عن السلاح؟
الحقيقة أن السلاح هو المجال الوحيد الذي استثناه المفكرون جميعاً من فكرة الفصل عن الدولة. لماذا؟ لأن فكرة الدولة عند تأسيسها قامت على أنها دولة حارسة (Custodian State)، بمعنى أنها أُنشئت أساساً لحماية الناس: داخلياً عبر الأمن الداخلي، وخارجياً في مواجهة المعتدين. فقد طالب توماس هوبز (Thomas Hobbes) في كتابه «اللفياثان» (1651) بضرورة تنازل الأفراد والجماعات عن سلاحهم وحقهم في إيذاء بعضهم بعضاً لصالح «السلطة الحاكمة المطلقة»، إنهاءً لحالة «حرب الكل ضد الكل». أما ماكس فيبر (Max Weber) فهو أشهر من أصّل لهذه الفكرة في محاضرته «السياسة بوصفها مهنة» (1919)، إذ أكد أن الدولة هي المؤسسة الوحيدة التي يجب أن تحتكر الحق في الاستخدام الشرعي للقوة والعنف.
هذا يعني أن بالإمكان المناداة بفصل السياسة عن الاقتصاد أو القضاء أو حتى الأخلاق والدين، لكن لا يجوز مطلقاً فصل احتكار السلاح عن الدولة. فكل فصيل مسلح، وكل عشيرة مسلحة، وكل عصابة مسلحة، هي خروج على هذا الحق الاحتكاري وعلى سيادة الدولة. واذا كانت مقاومة المحتل هي الحجة لمنافسة الدولة على السلاح وحق استخدام العنف فأمامنا واحد من طريقين لا ثالث لهما: اما نلغي الدولة او نلغي منافسها. العراقيون ودولتهم اليوم امام هذا الاختبار الذي تبدو اجابته سهلة وواضحة لكن تطبيقها صعب ومعقد.

اترك رد