العراق من السواد الى الأسود

في محاولة لفهم افضل لطبيعة المجتمع العراقي وسلوكياته استناداً الى دراسات مسحية واقعية وليس استناداً الى انطباعات فكرية فقط تستمر المجموعة المستقلة للابحاث بأجراء استطلاعاتها لكل مناطق العراق وفئاته المختلفة. وسيصدر قريباً اول تقرير علمي مسحي يحاول تفسير كيف يفكر ويعمل العراقي في بيئته الخاصة. لكن ما استرعى انتباهي عند تحليل نتائج هذا الإستطلاع الأخير هو هذا التطرف العجيب في الذائقة اللونية للعراقيين .فاللون الأسود كان هو الطاغي على اختيارات العراقيين يليه بفارق ضئيل اللون الأبيض.
معروف في علم النفس انه على الرغم من انه قد لا يكون هناك ارتباط مباشر بين تفضيلات اللون وبين السلوك، الا ان هناك علاقة غير مباشرة من خلال ارتباط تفضيلات اللون بالمزاج العام للشخص فضلاً عن الدراسات التي اثبتت أهمية البيئة السياقية في التفضيلات اللونية. وللاختصار فأن هذه النتائج تثير عندي ثلاث سمات للذائقة اللونية العراقية ترتبط بالثقافة الاجتماعية للعراقيين:

  1. ان طغيان السواد على كل الألوان الأخرى يشير الى حالة مزاجية من الاكتئاب والحزن تغلف الفرد العراقي. سابقاً كنا نقول ان الثقافة العراقية معجونة بالحزن والشجن بناءً على ملاحظاتنا الشخصية او الإدراكية، أما اليوم فأن نسبة تفضيل العراقيين للون الأسود بموجب هذه الدراسة المسحية الرقمية الشاملة تعزز هذا الفهم. فمن بين 17 سمة ادراكية تم عرضها على العراقيين، اختاروا اللون الأسود كأول معادل لوني يخطر في بالهم لتمثيل الثقة، والفخامة، والأصالة، والرجولة، والتطلع للمستقبل. كما كان لافتاً اختيار العراقيين للون الأسود للتعبير عن الشباب والمرح!!
  2. جاء اللون الأبيض كأول اختيار في ست حالات (الروحانيات والدين، والهدوء والسكينة، والصحة، والصداقة والطمأنينة، والثروة او النجاح). وقد اشارت بعض الدراسات الاجتماعية ان اللون الأبيض يرتبط بالممارسات الدينية وهذا ايضاً ما دلت عليه نتائج مسوحات أخرى قمنا بها أظهرت ان القيم الدينية مهمة جداً للعراقيين. كما ان اللون الأبيض يرسل رسالة رغبة في التوحد والمساواة كما تشير لذلك بعض الدراسات.
  3. تظهر هذه الدراسة ان هناك تطرفاً لونياً واضحاً. فمعظم العراقيين-عدا في حالات قليلة- اختاروا الأسود او الأبيض وأهملوا اختيار كل طيف الألوان المتعدد. وطبقاً للدراسة التي قمت بها مع زميلتي بروفسورة كيلفاند من جامعة ستانفورد ونشرتها في كتابي (ثقافة التصلب: منظور جديد لفهم المجتمع العراقي) فأن العراقيين من بين أكثر شعوب الأرض في تصلبهم الثقافي. والتصلب الثقافي ليس ظاهرة سلبية او إيجابية وانما سمة اجتماعية تشير الى ان الجماعة تميل للوضوح وعدم الغموض. فهناك طرفان للحقيقة فقط اما جيدة او سيئة، وأما سلبية او إيجابية، واما كافرة او متدينة، وأما بيضاء او سوداء.
    بقيت ملاحظة أخيرة استرعت انتباهي وهي ان اللونين الأحمر(اولاً) والأسود (ثانياً) هما من طغيا على اختيار اللون الذي يعبر عن سمة “العراقي الحقيقي او الأصيل). وسأترك لمخيلة القارىء وفهمه تفسير هذا التفضيل اللوني.

اترك رد