ايران من اقتصاد التخوم الى اقتصاد الهجوم

اختلف الكتاب والمعلقون حول مدى فاعلية القرار الأميركي الجديد المسمى يوم النصر الاقتصادي D-day الذي يشير ضمناً ان هدفه الاستراتيجي هو تحقيق النصر النهائي سواءً باستسلام النظام الإيراني واستجابته لكل المطالب الأمريكية او اسقاطه بقوة تلك العقوبات. فالمعسكر المشكك بجدوى العقوبات الإضافية المنتظرة تدور حججه حول اربع حقائق رئيسة. الاولى هي ان نظام ثوري مثل ايران مستعد للتضحية بكل شعبه ولا يستسلم. اما الحقيقة الثانيةفهي ان دول مثل الصين وروسيا لن تلتزم بالعقوبات لأنها تريد توريط أمريكا في حرب طويلة تنال من مكانتها الاستراتيجية في العالم. في حين ان الحقيقةالثالثة تقوم على ان ايران هي أصلاً تحت طائلة العقوبات الأميركية منذ عقود فماذا ستفعل العقوبات الجديدة أكثر مما فعلت العقوبات القديمة؟! في حين تقوم الحقيقة الرابعة على ان ايران نجحت خلال سني الحصار الطويلة من تطوير شبكات ظل اقتصادية (شبكات تهريب وشركات وهمية وبنوك ومكاتب صيرفة) تقوم بالالتفاف على كل العقوبات عبر واجهات ودول وسيطة وبالتالي يصعب حصار ايران التي لها حدود برية و\ او بحرية مع 15 دولة أخرى!!

اما المناصرون للعقوبات الاقتصادية فتقوم حجتهم على ثلاث حقائق. الأولى ان العقوبات الجديدة مختلفة تماماً وغير مسبوقة وهي تتشابه الى حد كبير مع العقوبات الأممية التي فُرضت على العراق في التسعينات. الفرق الوحيد ان تلك العقوبات على العراق فُرضت تحت مظلة الولاية القانونية للبند السابع للأمم المتحدة، في حين ان هذه العقوبات الأميركية تفرض تحت غطاء الولاية الأقتصادية الأميركية عابرة الحدود. انها مصممة لتنتقل من الاحتواء الشامل الى الحصار الأقصى لإيران وفق سردية اما معي او ضدي. هذا يعني أن واشنطن تفرض على الدول الأخرى قطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران قسراً. اما الحقيقة الثانية، فهي ان بيئة العقوبات الجديدة فد اختلفت. فكثير من الدول التي تربطها بإيران علاقات اقتصادية قوية مثل العراق وتركيا وباكستان ستكون مجبرة على الخضوع ولو رسمياً للضغط الأمريكي. في حين ان دول أخرى مثل الأمارات التي تعد ثاني شريك اقتصادي لإيران قد أوقفت اساساً كل تعاملاتها مع ايران بسبب ما تعرضت له من هجوم إيراني شرس. ان إيقاف الامارات لتعاملاتها التجارية مع ايران سيكلف الاقتصاد الإيراني المتهالك اساساً حوالي 30 مليار دولار سنوياً. اما العراق فتبلغ حجم تعاملاته السنوية مع ايران بحدود 10 مليار دولار. في حين ان حجم التبادل التجاري بين تركيا وايران يتجاوز 13 مليار دولار سنوياً. وحتى في حالة عدم توقف هذه التجارة البينية بين الدول مع ايران فأن كلف الاستيراد والتصدير سترتفع بشكل هائل مما يقلل كثيراً من حجم الفوائد التجارية لصالح ايران ويزيد الضغوط على اقتصادها. ونفس الحالة ستنطبق على الصين. فحتى ان لم تلتزم بالعقوبات الأميركية فستفرض خصومات اكبر على النفط وباقي السلع الأيرانية (علاوة المخاطرة) وهو ما سيقلل كثيراً من حجم التدفقات النقدية لإيران.

في حين تقوم الحقيقة الثالثة على فرضية ان هذا القانون الجديد يأتي بعد حرب أميركية-(إسرائيلية) مدمرة على ايران أدت الى استنزاف كثير من مواردها الاقتصادية الشحيحة اساساً والتي سيستخدم جزء كبير منها للمجهود الحربي لا للمجهود الاقتصادي المنتج. كما انها تأتي في ظل حصار بحري امريكي خانق أدى الى توقف شبه كامل للصادرات النفطية والبتروكيمياوية الإيرانية للخارج. هذا الحصار استنزف ويستنزف كثير من قوة ايران التي يعتمد اكثر من 80% من اقتصادها على الشحن البحري. وتشير تقديرات الخبراء ان ايران التي يتراوح ناتجها المحلي الأجمالي بين 300-437 مليار دولار سنويا تنزف يومياً بين 150-435 مليون دولار وبحجم اجمالي وصل الى 300 مليار دولار، وهذه ارقام مرعبة يصعب على أي اقتصاد تحملها، فما بالك بعقوبات جديدة اشد قسوة؟

واضح ان كل من الطرفَين لديه حجج وجيهة لتأييد رأيه. لذلك يبدو مبكراً الآن الحكم على ما ستنتهي له هذه العقوبات رغم إقرار الجميع انها ستغير من قواعد الأشتباك الأقتصادي بين أمريكا وايران وتنقل الوضع من حالة الحصار الى حالة الحرب الاقتصادية. ان كثير مما سيحدث يعتمد على مدى التزام دول العالم وبخاصة الصين التي ينتر ان يزور رئيسها واشنطن في سبتمبر المقبل، بهذه العقوبات الجديدة. كما ان هذا الضغط الأقتصادي الهائل قد يدفع ايرانالى المبادرة بالهجوم على كل دول المنطقة في محاولة لتهديد الاقتصاد النفطي العالمي وهو ما هدد به الجنرال محسن رضائي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران يوم 22 أغسطس. وإذا حصل ذلك فعلاً فسنكون إزاء قواعد لعب جديدة قد توسع كثيراً من نطاق الحرب لتشمل دولاً خارج نطاق الأقليم.

اترك رد