في 7 من هذا الشهر (مايو 2026) أصدر البيت الأبيض الاستراتيجية السادسة لمكافحة الإرهاب والتي تتميز باختلاف جوهري عن آخر استراتيجية مماثلة صدرت في عام 2021. ففي الوقت الذي ركزت فيه استراتيجية مكافحة الإرهاب التي أصدرتها إدارة بايدن في 2021 على تهديدات الأمن الداخلي الأمريكي والمتمثلة بشكل رئيس بما يسمى التطرف الداخلي العنيف Domestic Violent Extremism (DVE) فأن استراتيجية أدارة بوش ركزت على الإرهاب العالمي والإرهاب العابر للحدود. فترامب يؤمن ان مصائب أمريكا وتهديداتها لا تأتي من داخل مجتمعها (المثالي) بل من (حسد) العالم لها وغيرته من أنموذجها الحضاري. بناءً على هذا التصور فأن استراتيجية مكافحة الإرهاب الحالية تنطلق من مرتكزين أساسيين يمثلان صلب عقيدة حركة “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى MAGA ” وهما: أمريكا أولاً ثم السلام من خلال القوة.
ومع ان الاستراتيجية الجديدة لم تهمل عوامل التهديد الداخلي لأمن المجتمع الأمريكي الا انها جعلتها انعكاساً للتهديدات الخارجية. بناءً عليه حددت الوثيقة ثلاث تهديدات إرهابية تتعرض لها الولايات المتحدة تتمثل في:
- الجهاديون الإسلاميون.
- المخدرات التي يجلبها ارهابيو المخدرات الأجانب.
- المتطرفين اليساريين العنيفين الذين تبنوا أيديولوجيات تتعارض مع المبادئ التي تأسست عليها أمريكا.
وفي الوقت الذي تبدو فيه النقطة الثانية (المخدرات) واضحة فقد توسعت الاستراتيجية الجديدة في النقطة الثالثة التي تبدو مصممة لاستهداف الحركات المعارضة بشدة لترامب وعقيدته. هنا تشير الوثيقة الى ما تسميه المجموعات اليسارية “العلمانية” العنيفة والمؤيدة للمتحولين جنسياً او “الاناركية Anarchist ” أي الرافضين لفكرة وسلطة الدولة أو حركة مناهضة الفاشية ANTIFA . لكن النقطة الأهم التي يجب الوقوف عندها هي النقطة الأولى(الجهاديون الإسلاميون) والتي توسعت فيها هذه الوثيقة كثيراً سواءً على المستوى الافقي او العمودي.
على المستوى الأفقي حددت الوثيقة خمس منظمات جهادية “سنية” تمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي. وإذا كانت القاعدة وتنظيمها في بلاد الجزيرة، او داعش وتنظيمها في خراسان ISIS-K هما من التنظيمات الجهادية التقليدية في محاربة أمريكا فأن الوثيقة فاجئتنا بإضافة تنظيم الأخوان المسلمين MB كمنظمة إرهابية تهدد الأمن القومي الأمريكي،وحركة الجهاد الإسلامي بضمنه. هنا ينبغي ملاحظة انه وعلى الرغم من محاولات السيناتور كروز لإصدار تشريع او قانون يصنف الأخوان المسلمين كمنظمة إرهابية الا انه لا يوجد للآن قانون أمريكي بهذا الخصوص، مع ان هناك امر رئاسي يصنف فروع الاخوان في مصر ولبنان والأردن بأنهم منظمات ارهابية. لا بل ان هناك بعض الإشارات التاريخية الى وجود تعاون بين هذا التنظيم وادارات أمريكية مختلفة عبر سنوات مختلفة. تاريخياً فأن هذه اول مرة يتم فيها تصنيف تنظيم الأخوان المسلمين الدولي-أمنياً لا قانونياً- كمنظمة إرهابية في أمريكا وهي نقطة تحول كبرى قد تمتد عالمياً. وتقول الوثيقة انه ستصدر أوامر رئاسية بحق هذا التنظيم في بقية دول العالم.
أما على الصعيد العمودي لمفهوم الجهادية الإسلامية فأن هذه الوثيقة توسعت في المفهوم الى ما هو أعمق من الضرر الإرهابي الجسدي الممكن لهذه المنظمات. فقد عدت هذه الاستراتيجية تنظيم الاخوان المسلمين بأنه يمثل الجذور(الفكرية) لكل المنظمات الإرهابية الإسلامية التي تريد إعادة فكرة الخلافة الإسلامية او استعباد غير المسلمين. وهكذا امتد تعريف الأرهاب الى الفكر وليس الفعل فقط.
الشرق الأوسط
ان السياسة الأمريكية لعام 2026 لمكافحة الارهاب في الشرق الأوسط هي سياسة “هجومية انتقائية”؛ تضع إيران في فوهة المدفع، وتطالب الحلفاء بدفع تكلفة أمنهم، وتستخدم القوة العسكرية فقط عندما يكون التهديد مباشراً ووشيكاً للمصالح الأمريكية. وتفرد الاستراتيجية مقاطع كثيرة لإيران التي ورد ذكرها عشر مرات في 15 صفحة فقط. تعتبر الاستراتيجية إيران الممول والراعي الأول للإرهاب في المنطقة. وتشمل السياسة الجديدة:
- تفكيك شبكات الوكلاء: استهداف الحركات المدعومة من إيران (مثل حزب الله والحوثيين) ليس فقط عسكرياً، بل عبر تجفيف منابع تمويلهم وشبكات تهريب النفط (الأسطول الشبح).
- حماية الممرات المائية: الالتزام بردع أي تهديد لحرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مع توجيه تحذيرات مباشرة للحوثيين بشن عمليات عسكرية حاسمة إذا استمر تهديد التجارة العالمية.
- نهج شامل للحكومة: تدمج الاستراتيجية العقوبات، واعتراض ناقلات النفط “أسطول الظل”، والأدوات السيبرانية إلى جانب العمل العسكري التقليدي لجعل رعاية الدولة للإرهاب “مكلفة جدا”.
- الضغط العسكري المستمر.استمرار العمليات العسكرية المشابهة لعمليتي مطرقة منتصف الليل والغضب الملحمي ضد ايران باعتبارهما جهود ضرورية لتقليل القدرة العسكرية الإيرانية ومنع انتشار الأسلحة النووية.
تؤكد الاستراتيجية أن أمريكا لن تلعب دور “الشرطي العالمي” إلى الأبد. و تطالب الحلفاء الإقليميين (دول الخليج، الأردن، مصر) بأخذ زمام المبادرة في العمليات الميدانية وتأمين مناطقهم.. وأن الدعم الأمريكي سيقتصر على تقديم التكنولوجيا، المعلومات الاستخباراتية، والضربات الجوية النوعية، بدلاً من التواجد العسكري البري طويل الأمد. وفي الوقت الذي تركز السياسة الجديدة على مفهوم “إرهاب المخدرات”، وترى أن هناك ترابطاً وثيقاً بين الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط وشبكات التهريب الدولية، مما يستدعي استخدام أدوات اقتصادية وقانونية تتجاوز العمل العسكري التقليدي.
باختصار فان سياسة مكافحة الإرهاب الامريكية في الشرق الأوسط تركز كثيراً على دور ايران وتنظيم الأخوان المسلمين في تهديد الأمن القومي الأمريكي في الوقت الذي تقلل فيه من مخاطر تنظيم داعش في العراق وبلاد الشام الذي ترى الاستراتيجية الجديدة انه قد انتهى وهو ما يعكس رؤية جديدة ومختلفة لمكافحة الإرهاب في المنطقة.
أخيراً فيبدو واضحاً ان استراتيجية مكافحة الإرهاب هذه حاولت تبرير الحرب الحالية ضد ايران وتأطيرها ضمن اطار العمليات-لا الحرب- الضرورية لمنع تهديد ايران للأمن القومي الأمريكي. وأن هذا لا يستلزم حرباً لأسقاط النظام، بل عمليات عسكرية لتدمير القدرات العسكرية والنووية لإيران.