في مثل هذه الأيام قبل عشرين عاماً كانت هجرتي الثالثة،بعد ان سبقتها هجرتي الاولى من البصرة الحبيبة الى الفلوجة في 1984 أثر إستشهاد اخي في بيته بالقصف الايراني على البصرة،ثم هجرتي الثانية الى بغداد في 1988 بعد ان اكملت الماجستير هناك. شددتُ الرحال مع أسرتي هذه المرة الى عمّان في حزيران 2006 بعد أن تلقيت تهديدين خطيرين ومتناقضَين بسبب عملي في الاستطلاعات وآرائي السياسية. هددني الزرقاوي بعد ان قبضت احدى عصاباته على فريقي من الباحثين وهم يسألون في الأنبار اسئلةً اعتبرها مؤيدة للاحتلال. وفي نفس الأسبوع أرسلت احدى الجهات الأمنية الحكومية عليّ وطلبوا مني عدم كتابة تقارير ومقالات او التصريح بآراء مناهضة للاحتلال.الزرقاوي اتهمني اني امريكي الهوى،والحكومة اتهمتني اني معارض للاميركان!!!وبعد ان تمت مداهمة داري عدة مرات قررت الرحيل الى عمّان لأضمن سلامة عائلتي.
غادرتُ بغداد مضطراً ومدركاً ان لا أرض في الدنيا تعادل بغداد،ولا مدينة في الكون مثل البصرة،ولا وطن يمكنه ان يعوضني عن العراق. لم تكن عمّان مجرد ملاذ، ولم تكن الاردن مجرد بلاد. وجدتُ شعبها وقد احاطوني بالمحبة وقدموا لي ولعائلتي كل التسهيلات. لم تشعرني عمان انني غريب،ولم يتركني اهلها اشعر بالوحدة او الاغتراب. عاداتهم قريبة جداً بل مشابهة لعاداتنا،عشائرهم نفس عشائرنا،ثقافتهم لا تختلف عن ثقافتنا،والأهم انهم يحبون العراق حباً عظيما ويقدّرون شعبه تقديراً كبيرا. ولم يكن الأمر مقتصراً على الشعب بل حتى على المستوى الرسمي فعندما علم الملك عبد الله ان هناك بعض الاشخاص عبّروا عن قلقهم بعد ان وصل عدد العراقيين في الاردن الى اكثر من مليون شخص في بلد تعداده 6 مليون مواطن فقط،قال في مجلس الاعيان في 2007(العراقيون اليوم هم اهلنا). وكان اول زعيم عربي يزور بغداد بعد 2003 وقال حينها(زرت بغداد لأقول للعراقيين انتم في قلوبنا ومن وصل منكم الأردن فهو في بيته وبين اهله).
لم تمنحني عمّان فقط حبها وودها وحفاوتها،بل منحتني،وكل العراقيين فيها،وضعاً قانونياً مريحاً يتيح لي تملك مسكن او عقارات او سيارات او أي شيء مثل أي مواطن اردني. غمرتني عمّان بكرمها وأرخت عليّ وعلى أسرتي جدائلها،وجعلني طيب جوها،وجمال ارضها،وحفاوة اهلها،وقرب عاداتها وثقافتها لا افكر ببديلٍ عنها في غربتي رغم اني والحمد لله قادر ان أعيش في أي مدينةٍ في العالم.
شكراً عمّان،وشكراً للاردن وشعبه النبيل،وشكراً لمليكه ومؤسساته المستقرة الكفوءة. بالتأكيد سأغادر يوماً عائداً لبغداد التي حبها،وعشق ماءها، وسمائها وشعبها محفورٌ في قلبي وعقلي،لكن ما عشته ولمسته وخبرته في عمان يجعلها الحبيبة التي لا تنسى،والغالية التي لا تستحق الا التقدير والشكر. إن أراد الله فأن محطتي الأخيرة وهجرتي الأثيرة لن تكون الا الى بغداد،لكن ستبقى هجرتي لعمّان قصةً ارويها لأحفادي وشغفاً اعيشه كل يوم في عقلي ووجداني.