في ذروة تشرينَ، التي تدقُّ ذكراها أَبْوابَنا، كان المشهدُ معكوساً، وكان اليأسُ منكوساً. فشبابُ العراقِ متفائلون بغدٍ يستجيبُ لأحلامهم، وشيوخُه فرحون بهذا الجيلِ الذي حطَّمَ جدارَ صبرِهم ومزَّقَ إدمانَ صمتِهم، وجيرانُ العراقِ آملون بعودتِه لأصلِه وأرومتِه، وحكماءُ العراقِ مسرورون بالتخلصِ من طائفيّتِه ونفضِ الغبارِ عن أصالَتِه، فَرِحينَ بعقولِ شبابِنا الذي ترعرعَ في ظلِّ احتلالِ البلادِ، واعتادَ المحاصصةَ والفسادَ.
على الجانب الآخر كانت (الخضراءُ) ترتعدُ، والدعةُ عن ساكنيها تبتعدُ. كانوا يبحثون عن ملاذٍ، ويقدّمون التنازلاتِ ويستجدون الإنقاذَ. نزعوا جلودَهم، وخلعوا “ستراتِهم” بل وقلعوا حكومتَهم التي أَوْغَلَت في دماءِ الشبابِ وهاجمت غاياتِهم! كان شفقُ الغروبِ واضحاً، وضوءُ الفجرِ فاضحاً. كادت الأحلامُ أن تتحققَ… وكادت الأطماعُ أن تتمزقَ. هتفنا للعراقِ الواحدِ وانتفضنا على كلِّ ما هو سائدٌ، وأردنا استعادةَ وطنٍ ماجدٍ.
كان هذا قبل سبعٍ عجافٍ تلت ذلك المشهدَ، وحوّلت الأبيضَ إلى أسودَ، وساد فيها الأجرمُ والأفسدُ. سنونٌ كسنِي آلِ فرعون؛ حيث الجرادُ غزا البلادَ، والقُمَّلُ استوطنَ العبادَ، والضفادعُ نقيقُها صمَّ آذانَ السوادِ. انقلب فيها الأملُ حتى صار سراباً، وساد فيها الجهلُ فصار هو الشرابَ، ودَبَّ اليأسُ بأفئدةِ الشبابِ. نعم، عاد اليأسُ ليتسيّدَ المشهدَ، وصرنا بلا أملٍ يتجددُ. عادت الطائفيةُ تتجسدُ، وصارت البطالةُ تتمددُ، ورجعت (الخضراءُ) تدخّنُ أركيلتَها وتتبغددُ. صارت تشرينُ آثمةً، وباتت شبابُها نادمةً، وشيطنوها حتى غدت غاشمةً!! زرعوا فينا اليأسَ حتى أزهرَ، وغرسوا الإحباطَ حتى أثمرَ، وروجوا لليابسِ لنظنَّه أخضرَ.
هذا ما يريدونَه… شعبٌ هائمٌ، وشبابٌ نائمٌ، وصبرٌ سرمديٌّ قائمٌ، وجهلٌ طائفيٌّ دائمٌ. يريدون قتلَ الأملِ وإبعادَ الشبابِ عن العملِ، وإشغالَه بالتوافهِ والزللِ. سرديةٌ غيرُ حكيمةٍ، ونظرةٌ أفكارُها سقيمةٌ، وعقليةٌ نتائجُها وخيمةٌ. فلا أملَ سيُطفَأُ، ولا جذوةٌ ستفتأُ، ولا ثورةٌ ستهدأُ. النارُ تستعرُ تحت الرمادِ، والغضبُ يمورُ في العبادِ، ولا يغرنَّكم تقلبُكم في البلادِ. هذا شعبُكم فتنبهوا، وهذا مستقبلُكم إن لم ترعَووا. استمرارُكم بذاتِ النهجِ هاويةٌ، وإصرارُكم على ذاتِ الطريقِ مهلكةٌ طاويةٌ. امتلأت خزائنُكم فاكتفوا، وشبعت بطونُكم فارحلوا، وعاث فسادُكم فارعَووا. طريقُكم مسدودٌ، ومصيرُكم موعودٌ، وسقوطُكم مشهودٌ.