منقذ داغر
بغض النظر عمن هي(العمه) ومن هي(الأم) فأن أي رئيس وزراء جاء العراق خلال العقدين الماضيين وقع في ورطة ضرورة أرضاء أمريكا وإيران. إذ أن كل منهما بيديها مفاتيح في السياسة العراقية ويمكنها ان تحيل وظيفة رئيس الوزراء الى جحيم مستعر.فأرضاء العمه يثير غيرة الأم وغضبها،وأرضاء الأم يحيل العمه وابنتها(زوجته)الى بركان ثائر.
مناسبة هذه المفارقة هي المقال(الورطة) الذي بات تقليداً لكل رئيس وزراء عراقي يريد أن يحج لواشنطن ليحقق ما بات منسكاً رئاسياً مهماً للحكومة العراقية،والذي غالباً ما سيستتبعه بزيارة طهران لأتمام أركان السياسة في العراق.
فقد نشرت مجلة شؤون خارجية Foreign Affairs الأمريكية مقالاً(مكتوباً في الغالب)لرئيس الوزراء يمثل الرسائل التي يريد ايصالها السوداني لادارة بايدن قبل ان يحط الرحال في واشنطن. هذا المقال-التقليد المنشور خلط بين مفهومي الحياد وعدم الانحياز في السياسة.ففي الوقت الذي جاء كل المقال ليؤكد على أهمية علاقة أمريكا للعراق فأن كل فقرة منه كانت تحمل في داخلها رسالة تطمين لايران وانصارها في العراق باننا سنبقى نمسك العصا من المنتصف ونراعي مصالحكم مثلما نراعي مصالح امريكا. وهنا يقع المزج بين مفهومي الحياد وعدم الانحياز.
بالتأكيد فأن العراق ملزم بعدم الانحياز لطرفي الصراع الامريكي-الايراني،لكن ذلك لا يعني عدم الانحياز لمصالح العراق. أن مفهوم الحياد الأيجابي يعني الانحياز للمصلحة الوطنية حتى وان تطلب ذلك امساك عصا السياسة(احياناً) باتجاه هذا الطرف او ذاك.وسأضرب ثلاث أمثلة لما أعتقد أنه تشويش وضبابية وقع فيهما المقال،دون ان يقصد،نتيجة محاولته المفضوحة لتجنب أي لغم ينفجر في وجه الزيارة المرتقبة لواشنطن:
١.يبتدأ المقال بالقول ان أمريكا(ساعدت الشعب العراقي)على الإطاحة بصدام في عبارة مرتبكة بوضوح.فهو من جهة يريد أرضاء أمريكا بقوله انها اطاحت بالنظام السابق،لكنه في نفس الوقت يتجنب غضب انصار ايران بنسبه الفضل في الاطاحة بصدام لاميركا فقط،رغم ان الأمر كان كذلك فعلاً. أنه لا يريد ان يقول لأمريكا أنكم غزوتم العراق فتزعل،لكنه في نفس الوقت يتجنب القول(لايران واتباعها)أن أمريكا هي التي سلمتهم العراق على طبق من ذهب!
٢.وفي أكثر موضوع حساس ومثير لزعل الاميركان سيواجهه السوداني في واشنطن،نجد التخبط واضحاً في عبارات المقال التي تحدثت عن (جماعات مسلحة) وليست ميليشيات!! هنا يضع السوداني(او من كتب له المقال)الدولة العراقية في تناقض مع دستورها فيقول ان(موقفها حساس في التوازن الدقيق الذي يجب الحفاظ عليه بين الولايات المتحدة والجماعات التي تدخل احياناً في صراع معها). هذه العبارة والصياغة تضع الحكومة العراقية-التي ينص دستورها على رفض التشكيلات المسلحة – وسيطاً بين أميركا والميليشيات كي تتجنب زعل الطرفين مرة اخرى. كما انه ورغم تأكيده في نهاية نفس الفقرة على ان الولايات المتحدة والعراق يعملان(بشكل متظافر) لانهاء هذه الظاهرة(اي الجماعات المسلحة) لكن المقال يؤكد على (التوازن الدقيق الذي يجب “الحفاظ”عليه )بين امريكا وهذه الجماعات. ولا ادري كيف تتفق هاتين العبارتين المتناقضتين (انهاء الجماعات من جهة والحفاظ على التوازن الدقيق بينها وبين أمريكا من جهة اخرى)! فأما أنهاء الجماعات أو إبقائها دون ان تمس بمصالح امريكا كما هو الموقف حالياً بين الطرفين.
٣.وفي الملف الآخر الذي سيشهد نقاشاً حاداً في واشنطن وهو ملف انسحاب القوات الاميركية فقد جاءت الرسالة-المقال بعبارات مرتبكة لارضاء اميركا وايران(واتباعها) مرة اخرى. ففي الوقت الذي وضع المقال حقيقة ان العراق هو الذي استدعى القوات الأميركية لقتال داعش،بين قوسين كبيرين وواضحين ليحسم الجدل الذي اثير عن الموضوع ويرضي امريكا، فانه يؤكد على انهاء مهام قوات التحالف لارضاء الطرف الايراني ومحوره،مع انه ترك الباب مفتوحاً لوقت انهاء قوات التحالف كي لا يزعل الاميركان ويُحرج بايدن في سنته الانتخابية. بمعنى نريدكم تطلعون،بس براحتكم(لامريكا).ونريدهم يطلعون(بس مو هسه) لايران وجماعتها.
لقد فرحت حقاً بفقرة (العراق اولاً) التي وردت كمبدأ توجيهي للعلاقات الاميركية العراقية في هذا المقال،فهذا فعلاً ما يجب العمل عليه.لكن هذا المبدأ يتطلب في كثير من الاحيان الانحياز لمصالح العراق وليس التضحية بها لتحقيق الحياد وارضاء (أم الولد وعمته)في نفس الوقت. لذا فان ما جاء في هذه الفقرة من المقال يستحق الأشادة وتحويله لواقع عملي يتمثل ب(استجلاب) كل منفعة سياسية وأمنية وأقتصادية وعلمية وثقافية يمكن للعلاقة مع القوة الاعظم ان تحققها للعراق. أن حقيقة الصراع الأمريكي-الأيراني يجب أن تتحول لفرصة لاستدرار ضرع الطرفين بدل من ان يمثل ذلك تهديداً لامن وسيادة ومصالح الطرفين. ولكي يحصل ذلك فيجب ان يحصل اتفاق داخلي (وليس حكومي فقط)على حقيقة ان العراق أولاً بحيث لا يوضع رئيس الوزراء بين كماشتي الأم والعمه.كما يجب الاتفاق ان حيادنا يجب ان يكون حياد ايجابي واثق وليس حياد سلبي خائف.
لقد كُتب مقال(الرئيس) بقلبٍ وجل وأنامل ترتجف تماماً كمن يمشي في حقل الغام،وهذا واضح ومفهوم. لذا جاءت فقراته مرتبكة ومشوشة. ولو كنت محل رئيس الوزراء لتجنبت هذه الورطة ولتجاهلت النصيحة التي أشارت باتباع هذا التقليد-الورطة بكتابة رسالة او مقال ينشر في صحيفة أميركية ما دمت غير قادر على أرضاء أمي أو عمتي، وأكتفيت بتغريدة بروتكولية ومباحثات صريحة وشجاعة في واشنطن. أخيراً،وجرياً على تقاليد السياسة العراقية فسيُنصح (الرئيس) بزيارة طهران لأتمام مناسكه. لذا أهمس في أذن الرئيس ناصحاً (ليس مهم ان تزور،بل المهم ان تحصل أجر الزيارة كاملاً حتى ولو لم تقم بها).هذه النصيحة صارت متأخرة على زيارة واشنطن لكنها يجب ان تحكم كل الزيارات القادمة.