إيران ربحت معركة الصمود لكن الأهم ربح معركة الوجود:تأثير فقدان العقول الاستراتيجية على الحرب(2-2)

“التكتيكات الناجحة ترشدنا لكيفية استخدام القوات المسلحة في الاشتباكات العسكرية. أما الإستراتيجيات الجيدة فترشدنا لاستخدام الاشتباكات العسكرية لتحقيق اهداف الحرب” كلاوزفيتزه

منقذ داغر

المستوى الاستراتيجي Strategic level
على الرغم من النجاح الإيراني الكبير على المستوى العملياتي نتيجة التخطيط الطويل والاستحضارات الكبيرة للمعركة بعكس الجانب الأمريكي، ونتيجة عدم فقدان القيادات العسكرية العملياتية، فأن الولايات المتحدة نجحت في ربح معارك السرديات والإمكانات. لقد استفادت ايران كثيراً في بداية هذه الحرب من حقيقة سوء العلاقات الأمريكية-(الإسرائيلية) مع العالم. فجرائم حرب غزة، ومشاكل حرب التعرفات الجمركية لترامب، وموقفه من روسيا ضد أوكرانيا، فضلاً عن موقف أمريكا من جزيرة غرينلاند وطريقة الإطاحة بمادورو في فنزويلا، أدت بمجملها الى صعوبة تقبل السردية التي شُنت بسببها الحرب على إيران. لذلك وجدت امريكا نفسها معزولة دولياً في بداية الحرب ولم تستطع تسويقها دولياً، بل وحتى داخل أمريكا. وهي لا زالت تواجه صعوبة كبرى، لكنها تتناقص تدريجياً، في تشكيل تحالف دولي لحماية مضيق هرمز. غير ان ما قامت به إيران من تصعيد افقي Horizontal للحرب بحيث شملت دول الخليج التي تتمتع بثقل اقتصادي دولي مهم فضلاً عن علاقاتها السياسية المهمة مع كل دول العالم بضمنهم حلفاء إيران (الصين وروسيا) ساهم كثيراً في تغيير الموقف الدولي من الحرب. لقد شاهدت دول العالم مئات الألوف من مواطنيها العاملين في دول الخليج وهم يهاجَمون في فنادقهم ومناطقهم في الدوحة ودبي وأبو ظبي والكويت والرياض مما اضطرهم للعودة لدولهم وخسارة مئات ملايين الدولارات. وفشلت إيران في اقناع العالم بأنها تهاجم القوات الأمريكية وليس المواقع المدنية حتى اضطُر رئيس الجمهورية بزشكيان للاعتذار لدول الخليج عن تلك الهجمات ووعد بعدم تكرارها لكن القرار لم يكن بيده على ما يبدو فازدادت تلك الهجمات بدلاً من ان تقل. اما السردية الثانية التي خسرتها فتمثلت في ان أمريكا وإسرائيل وليست هي التي تهدد الأمن والسلام والأقتصاد العالمي. فبأغلاقها لمضيق هرمز تضرر حتى حلفاء إيران اقتصادياً وباتت الولايات المتحدة تعزف على نغم حرية الملاحة في المضائق الدولية بموجب القانون الدولي. هنا علينا ان نعرف ان واحدة من أبرز ثوابت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على مدى عقود كانت وما زالت هي حرية الملاحة في المياه الدولية. هذه الحجة ستساعد أمريكا كثيراً في مرحلة لاحقة لتبرير استصدار عقوبات او تشكيل تحالفات دولية ضد إيران حتى بعد وقف إطلاق النار. أخيراً فأن الكشف عن قدرات إيران الصاروخية العابرة للقارات من خلال إطلاق الصواريخ على دييغو غارسيا اثار تساؤلين جديدين قديمَين: فاذا كانت ايران قد تجاوزت التحديدات التي وضعها المرشد السابق لمديات صواريخها (ليس أكثر من 200 كم) فما الذي يضمن انها لن تطور تلك الصواريخ لتصل لأمريكا وليس أوربا فقط؟ ثم ما الذي يضمن انها لن تتجاوز فتوى المرشد السابق وتخصب وقودها النووي لمستوى صنع قنبلة نووية؟ هذا التطور الجديد الذي اكاد اجزم انه لم يكن ليحصل لو كانت العقول الاستراتيجية الكبرى ما زالت هي التي تدير الحرب في إيران، سيبرر سردية أمريكا وإسرائيل عن النظام الإيراني وضرورة التخلص منه.
ان من الواضح ان أمريكا والكيان معها فشلا ليس فقط من اسقاط النظام الإيراني، بل فشلا قبل ذلك في إيقاف تهديداته العسكرية للأمن والاقتصاد الإقليمي والعالمي. وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي أصاب البنية العسكرية والاقتصادية والتصنيعية لإيران والذي لن تشفى منه على المدى القريب ولا حتى المتوسط، فأن هذه الحرب لم تتمكن من اخراج النظام الإيراني من المعادلة الإقليمية. لكن على إيران وانصارها ان يحذروا من الأخطاء الاستراتيجية الكبرى التي ما كانوا ليقعوا بها لو ان قياداتهم السابقة ما زالت في الحكم. فالمواجهة بين إيران والكيان وبينها وبين أمريكا لن تنتهي حتى مع وقف إطلاق النار. فنحن أزاء سيناريو مشابه لسيناريو العراق 1991 حيث توقف إطلاق النار ولم تنته الحرب. لقد مهدت الأخطاء الاستراتيجية الكبرى الطريق لأمريكا لاستعادة نفوذها العالمي الذي تزعزع بسبب سياسات ترامب، ولتبرير مضيها في خطتها هي و(إسرائيل) لإسقاط النظام عن طريق مزيد من العقوبات الدولية وليس الامريكية فقط، والحصار وتحريك الخلافات العرقية والدينية، وترك الزمن ليلعب لعبته في إنهاك النظام نتيجة استمرار جروحه النازفة وصولاً للحظة سقوط النظام اما بانتفاضة داخلية او انقلاب او حتى حرب أخرى.

اترك رد