إيران ربحت معركة الصمود لكن الأهم ربح معركة الوجود:تأثير فقدان العقول الاستراتيجية على الحرب(1-2)

“الاستراتيجيات بدون تكتيكات مناسبة هي الطريق الأطول للنصر، أما التكتيكات الجيدة بدون استراتيجيات جيدة فهي الضجة التي تسبق الهزيمة” صن تسو

منقذ داغر
ثلاث مستويات للتخطيط والتنفيذ تحدد وجهة أي حرب وحسابات الربح والخسارة فيها. المستوى الأعلى(الاستراتيجي): يحدد الغاية الكبرى للحرب، ويُخطط لما بعد انتهاء القتال (النتائج النهائية وشكل الدولة أو الوضع الدولي). المستوى الأوسط (العملياتي): يترجم الخطة الاستراتيجية إلى عمليات ميدانية كبرى، ويوزع الجهد العسكري لتحقيق الأهداف المرحلية الكبرى، وهو يحدد “كيف ننفذ” وليس “لماذا ننفذ. المستوى الأدنى هو المستوى التكتيكي Tactical level يركز على المعركة أو الاشتباك نفسه. بعد ثلاث أسابيع من الحرب التي شنتها أمريكا و(إسرائيل) على إيران يشير سير المعارك الى ان التحديات العملياتية التي تواجه اميركا وحليفتها هي أكبر من التحديات الاستراتيجية التي تواجهها، في حين يكاد يختفي المستوى التكتيكي بسبب طبيعة هذه الحرب الجو-فضائية. ويبدو ان تأثير الضربة الأمريكية (الإسرائيلية) الأولى التي اغتالت كبار العقول الإيرانية المخططة للدولة، اثر في مستوى الاستراتيج الشامل Grand Strategy في حين انه لم يؤثر كثيراً في المستوى العملياتي بحيث لا زالت ايران تتفوق في هذا المستوى.
مستوى العمليات operational level
فعلى الصعيد العملياتي تمكنت القيادة الإيرانية من استيعاب الضربة الأميركية القوية الأولى التي قتلت كل قيادات الصف الأول في إيران (48 قائد بما فيهم المرشد الأعلى) وابدلتهم ببدائل بدت مخطط لها منذ مدة بحيث باشرت تلك البدائل بمهامها بسرعة وكفاءة ملحوظة. أكثر من ذلك فقد كان واضحاً ان هناك خطة إيرانية مسبقة جرى تطبيقها للرد المتنوع والمتصاعد على الهجمات الامريكية على الرغم من محدودية وسائل الرد الإيرانية التي اقتصرت في جلها على الصواريخ والدرونات. لكن أساليب استخدام أنواع الصواريخ بمدياتها وسرعاتها وحمولاتها المتباينة وطريقة مزجها بالدرونات المختلفة من جهة وبصواريخ حزب الله من لبنان من جهة أخرى تؤشر استعداد وتخطيط مسبَقين ووفقاً لسيناريوهات متوقعة منذ مدة طويلة. وليس ادل على ذلك من احتفاظ حزب الله بخزين استراتيجي كبير لصواريخه البالستية رغم اعتقاد معظم المراقبين والمحللين انها قد استُنفدت او دُمرت في المواجهة السابقة مع (إسرائيل). كما ان إدارة إيران الناجحة لخزينها الاستراتيجي من مختلف الصواريخ ومنصات اطلاقها مكنها من عدم استنفاد ذلك الخزين رغم ان وتيرة هجماتها على (إسرائيل) ودول الخليج العربي قد قلت بشكل ملحوظ مقارنةً بالأيام الأولى للحرب، لكن التأثير النفسي والمادي كان وما زال كبيراً الى الحد الذي يصعب على أمريكا (وإسرائيل) التقليل من تأثيره المدمر. ونجحت إيران في اثبات تهديداتها السابقة بغلق مضيق هرمز والتسبب ليس في معضلة كبرى للاقتصاد العالمي حسب، بل في احراج وتحدي كبير للآلة العسكرية الأمريكية. وأخيراً فقد شكل إطلاق إيران لصاروخي دييغو غارسيا مفاجأة من العيار الثقيل رغم انها مفاجأة محفوفة بالكثير من المخاطر. باختصار فقد نجحت إيران ايما نجاح في توزيع جهدها العسكري واستثماره بأفضل طريقة تخدم ميدان المعركة واستمرار القتال. نجحت إيران في (كيفية) تنفيذ خططها العسكرية بكفاءة، لكنها كما يبدو اغفلت في ظل انشغالها بسير المعارك وفقدانها للعقول الاستراتيجية الكبرى التي ادارت المواجهة مع أمريكا طوال خمسة عقود تقريباً الأهداف الإستراتيجية الكبرى وفشل القادة الجدد في الإجابة على الأسئلة الإستراتيجية الكبرى: “لماذا” نهاجم دول الإقليم، ولماذا نغلق مضيق هرمز ولماذا نطلق الصواريخ على دييغو غارسيا، وما انعكاسات ذلك كله على ربح الحرب؟

اترك رد