منقذ داغر
(يقصد بالسلطة القدرة على جعل الآخرين يفعلون أشياء ما كانوا ليفعلونها بدون وجودها. والسلطة هنا لا تقتصر على السلطة القانونية بل تتعداها الى كل أشكال القوة القهرية أو التعاونية،والرسمية وغير الرسمية،والخاصة أو العامة. يختلف علماء الأجتماع في تحديد مصادر القوة الأجتماعية لكني أتبنى أنموذج مايكل مان Michael Mann الرباعي -الآيدلوجيا،الأقتصاد،الجيش والسياسة- بعد تعريقه ليناسب الظرف الأجتماعي للعراق حالياً).
2.الأقتصاد .هو الركن الثاني لمصادر القوة الأجتماعية.فالعمران البشري كما يقول أبن خلدون يحتاج للتعاون الذي بدونه لا يمكن تحصيل القوت والغذاء اللازم للحياة. ولكي يحصل التعاون البشري فلابد من قوة تنظّم وتوجّه حاجة الأنسان لأستخراج وتحويل وتوزيع وأستهلاك ما تجود به الطبيعة أو يخترعه عقله،وهذا بالضبط هو ما يعنيه الأقتصاد. ولكي تحصل دورة الأنتاج هذه فلا بد من تفاعل العمل مع رأس المال. هذا التفاعل يمكن أن يحصل من خلال قوة سلطوية قسرية (كسلطة الأدارة أو سلطة الملكية) أو قوة أختيارية تعاونية تمليها الحاجة الأنسانية للتعاون لتعظيم المنافع أو درء المخاطر.وغالباً ما يتم اللجوء لمزيج من نوعي القوة(القسرية والتعاونية) لأنتاج وتوزيع السلع والخدمات الأقتصادية. أن القوة الأقتصادية هي أكثر أنواع علاقات القوة التي يستخدمها البشر يومياً سواء في عملهم أو تبضعهم أو علاقات تبادل المنافع الأخرى. لقد عرف العالم عبر تاريخه أشكال مختلفة من القوة الأقتصادية لم يتبق منها الا نوعين رئيسين هما الأقتصاد الرأسمالي والأقتصاد الأشتراكي الذي تراجعت مكانته وأهميته كثيراً بعد سقوط الأتحاد السوفيتي. لذا فقد بات الأقتصاد الرأسمالي (بأشكاله المختلفة) هو المهيمن على علاقات القوة في معظم أنحاء العالم. يمتاز الأقتصاد الرأسمالي بثلاث خصائص رئيسة هي:1)أمتلاك القلة للموارد الأقتصادية،2)أنفصال العمل عن الملكية وبالتالي فأن معظم العاملين يستطيعون (نظرياً على الأقل) بيع مهاراتهم وقدراتهم في سوق مفتوح،3)التعامل مع جميع قوى الأنتاج بما فيها العمل ورأس المال كسلع يمكن تداولها في الأسواق.هذه المرونة الكبيرة في الأنتاج والعمل أضافة أهمية أكبر لعلاقات الأنتاج المحكومة بمزيج مرن جداً من علاقات القوة الأجتماعية.لذا تطورت وتغيرت أشكال الرأسمالية المؤسسية كثيراً عبر القرون الماضية. فمن رأسمالية تجارية(ميركانتالية) حيث السيطرة للتجارة،الى رأسمالية صناعية حيث السيطرة للآلة،ثم رأسمالية مالية حيث أسواق المال والبنوك هي المسيطرة على النشاط الأقتصادي.
هذا التغيير الأقتصادي يستجلب بالضرورة تغييراً أجتماعياً مماثلاً. ولعل أهم تلك التغييرات يكمن في الحراك الطبقي ضمن المجتمع. هنا لا بد من الأشارة الى أن مفهوم الطبقة الذي تم تبنيه هنا لا يقتصر على المفهوم الماركسي(البورجوازية والبروليتاريا) بل يتعداه الى المفهوم الفيبري(نسبة لماكس فيبر) والذي تبناه حنا بطاطو في موسوعته الرائعة(العراق) والتي أخذت بنظر الأعتبار التمايز الطبقي على أساس الثراء،والملكية،والدين،والطائفة،والعرق وحتى مكان السكن. فأينما يكون هناك تمايز وتراتبية وعدم مساواة أجتماعية بين مجموعات بشرية تبرز الطبقية. ونظراً لمحدودية المجال المتاح هنا للتفصيل في مناقشة مفهوم الطبقية فسأكتفي بالمرور السريع على التحولات الأقتصادية الرئيسة في العراق والتي قادت لتغيير في مصادر القوة الأجتماعية فيه.
لقد أدت التطورات الأقتصادية الكبرى التي مر بها العراق منذ تأسيس دولته الحديثة الى تغيرات عمودية في تحديد من هي الطبقات الأدنى والأعلى في المجتمع العراقي عبر المائة سنة الماضية،كما شهدت تغيرات أفقية داخل كل طبقة ورافق ذلك كله حركة دخول وخروج واسعة بين الطبقات وضمنها. فبعد أن كانت طبقات الملّاك والشيوخ والأغوات هي المسيطرة على القوة الأقتصادية في العراق أبان العهد الملكي الأول،تحولت مصادر القوة والنفوذ بأتجاه كبار الموظفين والصناعيين والصيارفة وكبار الضباط وشيوخ القبائل في العهد الملكي الثاني.ومع هجرة التجار اليهود مثلاً برزت طبقة التجار الشيعة كما يقول بطاطو. ثم مع أكتشاف النفط وتطور الوضع الأقتصادي برزت طبقة الصناعيين الذين تم القضاء عليهم وعلى ملّاك الأراضي بعد قوانين الملكية الزراعية والتأميم خلال العهد الجمهوري الأول. ثم جاء النظام الأشتراكي البعثي بعد 1968 ليغير من جديد علاقات القوة الأقتصادية ويحصرها بيد الدولة وكبار موظفيها،والحزب وكبار قادته،و(القائد) ومقربيه وحاشيته. وشهدت حقبة التسعينات التي تميزت بحصار أقتصادي شامل فُرض على العراق بروز طبقة جديدة من المضاربين والمهرّبين والتجار الذين راكموا ثرواتهم بشكل سريع،لكنه غير مؤثر في القوة الأجتماعية نتيجة هيمنة الدولة المطلقة على الحياة الأقتصادية.
ثم جاء الأحتلال في 2003 لا ليغير(فقط) الآيدلوجيا الحاكمة،كما أسلفت فيما سبق،بل ليأتي على كل أسس الدولة ومنها الأساس الأقتصادي.