حساب الارباح والخسائر للهجوم الايراني

منقذ داغر

(العواطف علّة التحليل والأنفعال مدخل التطبيل.لذا كثُر المطبلون وندر المحللون.التحليل يسوق الوقائع،والتطبيل يسوس الذرائع).
تناحر المطبّلون لهذا الطرف أو ذاك بعد الضربة الإيرانية لإسرائيل بين شامتٍ مغالي،ومهلّلٍ موالي،فغاب المنطق وشح المورق. ومع أني لا أخلو من عاطفة الا أنني سأحاول تطبيق ما لقّنتنيه،الأكاديميا وما علمتنيه حروب الدنيا. لقد مثل الهجوم الإيراني خطوة إستراتيجية لا بد من جرد أرباحها وخسائرها لكل الأطراف قبل تقييم نجاحها أو فشلها.
-حساب الأرباح والخسائر
1. إيران. أثبتت أنها قادرة على تخطيط و أدارة وتنفيذ هجوم كبير ومعقد،وغير تقليدي،يهدد أمن (إسرائيل)ويصل عمقها الأستراتيجي، بغض النظر عن الخسائر التي أحدثها.لقد كانت هذه هي التجربة الأولى من نوعها لإيران التي لم تدخل بأي مواجهة مسلحة مع( إسرائيل) طوال تاريخها.ولا شك انها استفادت كثيراً من دروس هذا الهجوم المنسق، وستبني عليها لمستقبل مواجهاتها سواءً مع نفس العدو أو مع أي قوة أقليمية أو دولية. أن الرسالة الداخلية لأتباع إيران ومريديها ولصقور إيران من خذا الهجوم،كانت بأعتقادي أهم من الرسالة الخارجية لخصومها الأستراتيجيين سواء في المنطقة أو خارجها. أنها رسالة نفاد الصبر الأستراتيجي (لحائك السجاد) والأنتقال لمرحلة الردع الأستراتيجي المسلّح. وهي رسالة تثبيت وتفعيل للدور الإيراني كقائد ل(محور المقاومة).كما أنها رسالة تدشين لمرحلة توازن أستراتيجي جديدة تقوم على المواجهة المباشرة وليست المواجهة بالإنابة.لكن ذلك يحمل في طياته أيضاً أعتراف ضمني بأن الوكلاء والأذرع الولائية في المنطقة لم يعودوا كافين لمواجهة(إسرائيل) وهجماتها المتلاحقة،التي سببت خسائر مهمة وحرجاً كبيراً لإيران.وليت هذه كانت الخسارة الإيرانية الوحيدة،فقد مثل هذا الهجوم سابقة ستجعل أعداء إيران وخصومها الأستراتيجيين يركزون على إضعاف الداخل الأيراني وليس فقط معالجة الأذرع الولائية في المنطقة،ما دامت المواجهة باتت مباشرة وليست بالوكالة .كما أن إيران كشفت عن حقيقة قدراتها العسكرية الفعلية في مواجهة التفوق التكنولوجي العسكري لخصومها. مع ذلك فلربما كان أستمرار إيران بممارسة (صبرها الأستراتيجي) أكثر تخويفاً وردعاً لأعدائها.فالحصيلة الفعلية لهذا الهجوم كانت ضئيلة مقارنةً بالتوقعات العالية التي سبقته وروجت له ماكنة الدعاية الإيرانية. هذا فضلاً عن أن الأدارة الأستراتيجية للمناورات السياسية التي سبقت وصاحبت الهجوم الأيراني كشفت لكل العالم وجود تنسيق وإتفاق مسبق على تفاصيلها وتوقيتاتها ومحاورها الهجومية،مما أفقد رسالة الردع كثير من مخالبها وأضراسها.ولعمري،أنها المرة الأولى التي أرى فيها هجوماً عسكرياً يدار بهذه الطريقة الهوليوودية والتي جعلت شبكات الأعلام والكاميرات تتابع ال(درونات) والصواريخ منذ انطلاقها وحتى اشتباكها وسقوطها،ولمدة طويلة تراوحت بين 7-9 ساعات!!مع ذلك فأن الخسارة الإيرانية الأكبر تمثلت في رأيي بعودة تشكل الحلف الأمريكي-الأوربي ضدها بعد أن أبتعد الأوربيون عن الأميركان في مواقفهم تجاه إيران عن العم سام طوال السنوات الماضية. أن مشاركة بريطانيا وفرنسا عسكرياً في التصدي للهجوم الإيراني جعل من هذه الدول خصماً فعلياً لإيران. هذا فضلاً عن المجازفة الكبرى التي قامت بها إيران بتخطي حداً إستراتيجياً جديداً يضاف لتخطيها حد تهديد الملاحة البحرية العالمية من خلال دعمها للحوثيين وتزويدهم بالسلاح.هنا يجب أن نتذكر أن بدايات سقوط نظام صدام كانت بتهديده منابع النفط(بعد غزوه الكويت)ومن ثم تهديده لأمن (المدللة) بعد الهجوم على (إسرائيل) ب 39 صاروخاً.لقد أيقظ ذلك كل المخاوف الإستراتيجية الدولية وبدأت على أثره مرحلة التخطيط لأسقاط النظام.هذا لا يعني ان نفس السيناريو قد يتكرر مع إيران،لكنه يعني أن ذلك درساً استراتيجياً كان ينبغي لحائك السجاد عدم إغفاله.
2. إسرائيل. مثل الهجوم الإيراني الذي يحصل لأول مرة منذ نشوء الكيان الغاصب ضربة جديدة للبعبع التخويفي الصهيوني،تضاف لهجوم 7 أكتوبر(الحماسي).لقد فقد الداخل الأسرائيلي أهم مقومات وجوده منذ تأسيسه(أي الأمن). ولا شك في أن معدلات الهجرة للكيان ستشهد مزيد من التراجع لهذا السبب،مما يهدد أساس المشروع الصهيوني القائم على دولة يهود العالم الآمنة،وهو ما أظهرته أرقام الهجرة الأخيرة للكيان. وحتى ولو لم تكن الخسائر البشرية والمادية كبيرة الا ان مشاهدة بعض الصواريخ والطائرات القادرة على اختراق القبة الحديدية،بل سماع اصوات ورؤية مشاهد صواريخ القبة وهي تشتبك مع الصواريخ والطائرات المهاجمة كفيل بأثارة الذعر داخل الكيان وخارجه. وعلى الرغم من أن الهجوم الإيراني أكد التفوق العسكري الإسرائيلي المستند على تحالفه الأستراتيجي مع أميركا ومحورها الغربي،ولم يظهر الأنياب الإيرانية المتوقعة،الا أنه أثبت حقيقة أن إسرائيل لم تعد(شقاوة) المنطقة الوحيد،وبات هناك(شقي) جديد ينافسها.في مقابل ذلك،ورغم كل الضغوط الأمريكية لمنع إسرائيل من الرد،وهو ما عمق الشرخ في علاقة أمريكا مع إسرائيل والتي شهدت تدهوراً واضحاً بعد 7 أكتوبر ،الا أن الهجوم الإيراني أعاد تشكيل وتوكيد التحالف الأستراتيجي الغربي الاسرائيلي وساهم بعودة إسرائيل للعب دور المظلوم والمحاصر والمجني عليه في المنطقة. وهذا بلا شك سيعيد لاسرائيل (بعض) وليس جميع ما فقدته من تعاطف عالمي معها. لكن عدم قدرة إسرائيل على الرد المباشر على الهجوم الايراني نتيجة الضغط الامريكي عليها أفقد إسرائيل أحد أركان سياسة ردعها الاستراتيجي القائم على الرد السريع والمباشر،مع انها ستلجأ بالتأكيد الى أشكال أخرى من الرد غير المباشر (عمليات خاصة واغتيالات) التي لن تغضب امريكا وتحفظ لها ماء وجهها.
3. العرب. واضح أن الجائزة التي يتنافس عليها طرفا النزاع(اسرائيل وايران) هي الأرض العربية،سواء كانت فلسطين أو الساحة التي تمتد عليها معظم الدول العربية. ولا يحتاج أي شخص لذكاء كبير لادراك ان لكل من إيران وإسرائيل مشروعيهما الأقليمي اللذان تخادما في أحيان معينة وتقاطعا في كثير من الأحيان كما هو حاصل الان. وما الأدلجة الدينية التي يغلف بها كل من طرفي النزاع مطامعهما الأقليمية الا مجرد مظلة واهية لا تصمد أمام أشعة الشمس الساطعة. ومع وضوح هذه الحقيقة الا ان البلدان العربية،بخاصة المعنية منها بهذا النزاع والتي تدور رحى المباراة على أراضيها لم تستطع أن تطور إستراتيجية أمنية جماعية واكتفت بدور المشجع لأحد الفريقين،أو حارس المرمى الذي يحاول ان يدافع عن مرماه بنفسه وبدون وجود خط دفاع أو وسط أو هجوم يسانده. ولم يختلف هذا التوصيف هذه المرة أيضاً.ففي الوقت الذي أكتفت به الجماهير العربية بدور القتال والسباب والشتائم على مواقع (التناحر) فأن حكوماتها أما وقفت موقف جامع الكرات أو أجتهدت في أفضل الأحوال لتصد الأهداف التي تدخل في مرماها،لكن عن طريق التحالف مع أحد طرفي النزاع أو أمريكا،وليس أعتماداً على قدراتها الذاتية. لقد كشف الهجوم الأيراني مدى هشاشة الأمن العربي(المنفرد والمجتمع). وستكون التداعيات المستقبلية لهذه الهشاشة كبيرة ما لم يتم تداركها. وعلى الرغم من ان البعض من الدول العربية قد يتوهم بأن (الحلف الابراهيمي،او الحلف الايراني،او حتى الحلف الأمريكي) يمكن أن يكون الخيار الأنسب لمواجهة التفوق،بل والتغول الأسرائيلي-الإيراني الا ان هذا الهجوم أثبت أنه لا (إسرائيل) قادرة على حماية نفسها لوحدها،ولا إيران لديها القدرة على حماية نفسها،فما بالك بحماية غيرها!لقد آن الأوان لدول المنطقة أن تبني هي قبتها الحديدية وردعها الأستراتيجي.لكن عليها ان تفعل ذلك ليس بذات السيناريوهات (الهرمة) والاساليب التي أكلها الدهر (كمعاهدة الدفاع العربي المشترك أو درع الخليج أو ما شابه ذلك).كما أن التعويل على الشقاوة الدولي(أقصد العم سام طبعاً)ليس كافياً -كما هو واضح- لحماية المصالح العربية. أما الفلسطينيين الحائرين في كيفية الأقتتال بينهم بدلاً من قتال عدوهم الصهيوني، فأن فترة تيههم زادت عن فترة تيه بني إسرائيل،وآن الأوان أن يدركوا جملة حقائق؛أولها أنك لا يمكن أن تنتصر على عدوك دون توحيد الصف الداخلي.وثانيها،أن القضية الفلسطينية لا تحتاج لمن يؤدلجها إسلاموياً،أو يسارياً،أو قومياً لان عدالتها من الوضوح ما يجعل أي آيدلوجية هي التابعة لا المتبوعة!أما ثالث تلك الحقائق فأنه لا يوجد طرف في العالم يمكنه تقديم مصلحة الفلسطينيين وتحرير أرضهم،على مصلحة شعبه ودولته. لذا فأنهم في أفضل الحال سيلعبون دور(ماشة النار) التي تحترق لتخرج الخبز الحار لمن يمسك بها.
4. العراق. أختم تحليلي هذا بالموقف العراقي،ليس لعراقيتي فقط بل لأن العراق هو أكثر دول المنطقة تعقيداً فيما يخص الموقف من الصراع الإيراني الإسرائيلي.فمن جهة هناك أغلبية عراقية واضحة(تزيد عن 85% بحسب آخر استطلاعات الرأي تساند الحق الفلسطيني وتعادي الكيان الصهيوني). مقابل ذلك فان هناك نسبة كبيرة من العراقيين ممن يعارض مواقف إيران في العراق ورافض لهيمنتها على القرار العراقي بمختلف أشكاله(السياسي والاقتصادي والامني). بل هو رافض لزج العراق كجزء من(محور المقاومة) في الوقت الذي يعاني فيه العراق من مشاكل لها أول وليس آخر على كل الصُعُد مما يستوجب حشد الجهود والموارد لصالح العراق وليس سواه.ولست هنا بصدد تحليل أسباب موقف العراقيين من إيران، بقدر ما أنا معني بتحديد أبعاد ذلك في ظل الهجوم الايراني الأخير والذي هو محور أهتمام هذا المقال. أما على الصعيد الرسمي العراقي فأن هناك أنقسام واضح وتخبط جلي في التعامل مع هذا الملف ليس بسبب المزاج الشعبي العام السلبي تجاه النفوذ الايراني،والمعادي للكيان الصهيوني في نفس الوقت،وليس بسبب النفوذ الايراني على القرار العراقي وتغلغل الفصائل الولائية في عمق القرار العراقي السياسي والأقتصادي،ولا حتى بسبب الانقسامات بين الشركاء السياسيين في العراق بخصوص الموقف من ايران،بل بسبب تعقيدات المواجهة الإيرانية الأميركية على الساحة العراقية،وبسبب أن القرار السياسي العراقي يجب أن يراعي مصالح ورضا زوجتيه المتصارعتين،الأمريكية والإيرانية. أن هذه الفوضى في بلورة موقف عراقي من هذه القضية(وسواها) تجعل أي مواجهة مثل تلك الحاصلة بين إسرائيل وإيران تهديداً كبيراً للأمن الوطني العراقي. ففي ظل دولة ضعيفة ومؤسسات منخورة سياسياً وطائفياً ومالياً،وأستقطاب عالمي شديد بين محور أمريكا ومحور الصين يستتبعه أستقطاب أقليمي شديد بين المحور الإيراني والمحور الأمريكي(الإسرائيلي) فأن العراق غير قادر حتى على لعب دور حامي الهدف،لا بل وحتى دور جامع الكرات خشيةً من زعل هذا الطرف أو ذاك حينما يعطي الكرة للطرف الآخر!! وبجرد بسيط للأرباح والخسائر العراقية فأن العراق هو أحد أكبر الأطراف الخاسرة حتى قبل هذه المواجهة. لكن هذا الهجوم الإيراني أضاف خسائر أخرى للأمن الوطني العراقي الذي يريد المؤدلجون ربطه بالأمن الإيراني أو الإسرائيلي أو الأمريكي. فمن الناحية الفنية فأن العراق بات جزءً من ساحة القتال بعد تكرار أشتراكه في أستهداف (إسرائيل)في هذا الهجوم . هذا يعني توقع مزيد من الضربات والخسائر في الداخل العراقي. كما أن إيران بهذا الهجوم أعطت لأمريكا مبرر إضافي لأبقاء قواتها في القواعد العراقية. من جهة أخرى فأن هذا الهجوم الذي،طبقاً للأخبار المتداولة ، جعل إيران تستعين بفصيل عراقي أو أثنين للأشتراك معها في مهاجمة (إسرائيل) سيزيد من حدة الصراع الداخلي العراقي ليس بين سياسيي (الشيعة والسنة والكورد) فقط،بل بين سياسيي الشيعة انفسهم وفصائلهم المسلحة. أن هذه الأفضلية التي أعطيت لهذين الفصيلين سترسل رسائل تثير غيرة وحفيظة بقية الفصائل التي تأتمر بأمر ايران،كما أنها تضيف فصلاً آخر للجدل الدائر بين الفصائل ذاتها وبينها وبين الدولة حول الولاء للعراق أم للمذهب والدين اولاً ! فمن أشترك في الضربة وأيدها استند الى مشروعيته الثورية الولائية،ومن لم يشترك فأنه معارض لتجاوز تلك المشروعية للحدود والمرجعية والقانون العراقي. أما الخسارة الأخرى للعراق(وحتى لبقية دول المنطقة) والتي هي في رأيي أهم من كل تلك الخسائر المذكورة أعلاه فهي أن مزيد من الموارد الأقتصادية سيوجه للتنافس والصراع العسكري الذي أضاف له الهجوم الايراني مزيد من الأسباب لزيادة زخمه. بالتالي فعلينا توقع مزيد من ارقام الفقر والبطالة والتراجع في كل المجالات،عدا العسكرية منها ربما.
الخلاصة فأن الهجوم الإيراني الذي أعتقد أنه جاء على خلفية الاضطرار، وليس الأختيار ،قد خلق مزيد من التعقيد على المشهد الإستراتيجي الأقليمي.وعلى الرغم من بعض الربح المتحقق لطرفي النزاع(إيران وإسرائيل)الا ان الخسائر الأستراتيجية التي رافقت هذا الهجوم كانت كبيرة وستبقى تأثيراتها لمدة بعده. هذه الخسائر شملت كل المنطقة والاطراف،وليس طرفاً دون سواه،رغم انها أكثر تجسدا في الحالة العراقية والعربية لافتقادها للمشروع الواضح.في حين أن المشروعَين المتنافسَين لإيران وإسرائيل واضحين ويجري العمل والتنافس على تطبيقهما.مع ذلك فان هذا الهجوم قد أعطى(شكلياً) لانصار المحورين مادة دسمة يتناحرون ويتقاتلون ويتلاعنون حولها على مواقع التناحر الأجتماعي. وسيبقى العرب يتلقون العصي على قفاهم،وال(چلاليق) على مؤخراتهم وهم فرحين لأنهم أوسعوا عدوهم شتماً وأوسعهم ضرباً.

اترك رد