لا تتوهموا رضا الشعب – تحليل رقمي للانتخابات العراقية الأخيرة (2)

منقذ داغر
“افضل حجة تقدمها ضد الديموقراطية هي عندما تناقش ناخب لمدة خمس دقائق” ونستون تشرشل

أن البرلمان الحالي الناجم عن الانتخابات الأخيرة لا يمثل بمجموع أصوات كل اعضاءه والبالغة حوالي 3,976,000 سوى الثلث فقط من مجموع المصوتين في الانتخابات (حوالي 12 مليون). بكلمة أخرى فأن حوالي ثلثي من صوتوا لم يتم تمثيلهم في البرلمان الجديد. لا بل انه يمكن القول ان البرلمان الجديد لا يمثل سوى 13% فقط من عدد العراقيين البالغين الكلي والذي يتجاوز 29 مليون شخص. وهنا تكمن المفارقة الكبيرة التي حذرت السياسيين المنتشين بزيادة عدد المشاركين منها.فعلى الرغم من ان حجم المشاركة قد ازداد كثيراً (من 43.5% الى 56%) الا ان نسبة تمثيل العراقيين (المشاركين في الانتخابات) انخفضت من 42% في 2021 الى 33% فقط في هذه الانتخابات! لا بل أن مجموع الاصوات التي حاز الفائزون عليها من اعضاء البرلمان الحالي لا تمثل سوى 18.5% فقط ممن كان يحق لهم التصويت (يمتلكون بطاقة الكترونية) وهم بحدود 21.4 مليون عراقي. وتنخفض نسبة التمثيل الى 13% فقط عند مقارنة عدد اصوات الفائزين في البرلمان بعدد المؤهلين للتصويت أي العراقيين الذين تتجاوز أعمارهم 18 سنة! بمعنى ان مجموع اصوات الفائزين في البرلمان الحالي بكل اعضاءه وكتله لا يمثل سوى 13% فقط من العراقيين الذين تحق لهم المشاركة السياسية!! لذا فأن أمام البرلمانيين مهمة شاقة لإقناع العراقيين بان هذه الانتخابات جلبت لهم افضل السياسيين الممكنين.
أما على صعيد التحليل الجزئي(المكوناتي) للأرقام فأنها توضح بما لا يدع مجالاً للشك ضعف التمثيل الطائفي(المكوناتي) لكل الفائزين في هذه الانتخابات من أحزاب او تكتلات انتخابية. وعلى الرغم من عدم توفر ارقام موثقة عن التركيبة الطائفية للناخبين في العراق،الا ان التوزيع الجغرافي والمناطقي للدوائر الانتخابية التي قُسم العراق بمموجبها، فضلاً عن خلفية الفائزين وأحزابهم تستطيع ان تخبرنا وبدرجة عالية من الثقة بالخارطة(المكوناتية) للانتخابات. لقد حصد أعضاء البرلمان الذين يمكن تصنيفهم بأنهم تابعين لاحزاب وقوى (شيعية) على اكثر من 5.5 مليون صوت مشكلين ما مجموعه 188 مقعداً تقريباً تمثل 58% من مجمل اعضاء البرلمان،وهو اقل بثمان مقاعد مما حصلت عليه الأحزاب التي يمكن تصنيفها الشيعية في الانتخابات الماضية والتي كانت تشكل 60% من مقاعد البرلمان الكلية.
هنا يجب التنبيه ان عدد لا بأس به من المقاعد التي حصدتها بعض الكتل المحسوبة انها (شيعية) جاءت من اصوات (سنية) وهذه ظاهرة ايجابية يجب المحافظة عليها على الرغم من انه لم يمكن ملاحظة نفس الظاهرة في الجانب (الشيعي).
اما الأحزاب والكتل التي يمكن تصنيفها بأنها (سنية)فقد حصدت بحدود مليونين وسبعمائة وخمسون الف صوت انتجت لها 77 مقعداً في الانتخابات (23% من مقاعد البرلمان). في حين جمعت الأحزاب الكوردية ما مجموعه مليونين ومائة وستون الف صوت امنّت لها 54 مقعداً (16% من مجمل مقاعد البرلمان).
هنا يتبين لنا الاختلاف في وزن كل مقعد في البرلمان. ففي حين ان كل 29 الف صوت(شيعي) استطاع ان يؤمن مقعد واحد في البرلمان،فأن كل مقعد (سني) احتاج الى 35 الف صوت. أما الكورد فأن كل 40 الف مصوّت منهم استطاعوا تأمين مقعد واحد فقط. ان هذه التباينات تعكس اولاً الاختلاف في نسب المشاركة التي كانت في ادناها في المناطق(الشيعية) وأعلاها في المناطق (الكوردية والسنية). كما انها قد تعكس سوء في التوزيع المناطقي لمقاعد البرلمان.وقد تجلى ذلك في ان 45% فقط من الناخبين (يمثلون الشيعة)حددوا مصير 58% من مقاعد البرلمان الكلية، في حين ان 55% من مجموع الناخبين (يمثلون السنة والكورد والأقليات) لم يتمكنوا سوى حسم مصير 42% من مقاعد البرلمان. هنا، ولضمان العدالة فتبدو الحاجة ملحة لمراجعة عدد مقاعد كل محافظة مقارنةً بالتعداد السكاني الأخير. والغرض من هذه المراجعة هو ليس التشكيك بتوزيع المقاعد البرلمانية بحسب المحافظات وانما تحديثها طبقاً لمعطيات التعداد السكاني الأخير وبما يضمن العدالة لكل المحافظات.

اترك رد