في كتاب جديد Cracks in Tradition: Liberal Trends in the Middle East ، يوثّق أستاذ علم الاجتماع منصور معدل ارتفاعاً ملحوظاً في القيم الليبرالية لدى دول الشرق الأوسط. ومع انني هنا مجرد مترجم لأهم ما حواه الكتاب فأن لي آرائي الخاصة التي لا تنطبق بالضرورة مع كل ما قاله البروفسور منصور معدل الذي عرفته وتعاونت معه منذ اكثر من 20 سنة اتفقنا فيها احياناً واختلفنا فيها أحياناً اخرى. ينحدر منصور من عائلة دينية إيرانية وكان جده يحمل لقب آية الله العظمى. اكمل دراسته الجامعية والعليا في اميركا وصار من اكثر المدافعين عن الليبرالية والحرية الفردية ومن اشد المنتقدين للثيوقراطية. كما انه بات مرجعاً في دراسات الاجتماع السياسي في منطقة الشرق الأوسط.
في هذا الكتاب، الصادر عن (مطبعة جامعة كولومبيا، 2026)، والمستند الى مسوحات رأي في عدة دول في الشرق الأوسط، يتحدى معدل المفاهيم التقليدية والسائدة عن شعوب المنطقة، ويقدّم منظوراً مختلفاً حول قيمها ومنظورها وأولوياتها. ومن اللافت أن معدل يلاحظ أن القمع والتصلّب كانا حافزاً للتغيير الليبرالي في الشرق الأوسط. “أقوى محفّز لتنامي القيم الليبرالية هو تجربة الهيمنة الدينية نفسها. قد يبدو هذا مناقضاً للبديهة، نظراً لأن الفترة الممتدة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، والتي امتدت الآن قرابة نصف قرن، كانت الحقبة الأكثر قتامة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. فقد تميزت بالعنف الديني، والحكم الاستبدادي، وهيمنة الذكور، وإخضاع المرأة. لكن هذا التاريخ أنتج رد فعل قوياً مضاداً للنظام الذي أفرزه”. ويضيف: “المفتاح هنا هو أن الأفكار تكتسب معناها من خلال تفاعلها مع الأفكار المناقضة لها”.وبطرق عدة، ينشأ صعود المواقف الليبرالية بشكل عضوي كـرد فعل مقابل لسيطرة الاستبداد ورقابته الصارمة وهنا يكمن جوهر اطروحته. “يمكن أن تنشأ الليبرالية بشكل عضوي كمعارضة للهيمنة الدينية، لا كمفهوم مستورد من الغرب”.
يستعرض الكتاب أدلة تجريبية من عدة دول،لكن التركيز الرئيسي للكتاب ينصبّ على مصر والعراق وإيران والسعودية وتونس وتركيا، حيث يُظهر تحركاً واسعاً نحو القيم الليبرالية عبر ثلاثة أبعاد: التعبير عن الفردانية، والمساواة بين الجنسين، والسياسة العلمانية. غير أن تونس أظهرت اتجاهاً معاكساً نحو الاستبداد العلماني بين عامي 2016 و2020، بعد تحوّل لافت نحو القيم الليبرالية في الفترة 2013-2016.
يقول معدل: “اعتاد الإعلام والرأي العام عموماً على النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره ‘قضية خاسرة’ — إذ يراه كثيرون أرضاً للاستبداد والعنف السياسي والتطرف الديني. هذا غير صحيح، والحقيقة أن المواقف الليبرالية برزت كرد فعل معارض لما حدث خلال العقود الأربعين أو الخمسين الماضية تقريباً”.
ومن بين النتائج الرئيسية العديدة في الكتاب، يُلاحظ أن النساء يتصدرن العديد من التغييرات المهمة في الفكر والقيم والسياسات في الشرق الأوسط. “لعبت النساء دوراً قيادياً بالغ الأهمية في هذا التمرد على التقاليد. فالصراع لا يدور فقط حول من يحكم، بل حول ما إذا كان للأفراد حرية تقرير كيفية عيشهم، وما يؤمنون به، وكيف يعبّرون عن أنفسهم، بل وحتى كيف يرتدون ملابسهم. إنه إذن صراع من أجل الحرية السياسية، والحرية الاجتماعية، والاستقلالية الجسدية. هذه التغييرات حقيقية وقابلة للقياس وتزداد وضوحاً يوماً بعد يوم. ولعل إيران هي المثال الأبرز على ذلك. فقد أظهر الإيرانيون هذه القيم المتغيرة ليس فقط من خلال الاستطلاعات أو الخطاب السياسي، بل من خلال حياتهم اليومية — عبر الاحتجاج، ورفض الحجاب الإلزامي، وتحدي السلطة الدينية، وتقبّل مخاطر شخصية استثنائية سعياً وراء الحرية”.
ويقول معدل إن هذه التغيرات نحو مواقف أكثر ليبرالية في الشرق الأوسط ظلت تتطور على مدى عقود، حركة تلو حركة، ولحظة تلو لحظة، وإن أفضل وصف لوتيرة هذه التغيرات هو أنها “تراكم بطيء يعقبه تسارع مفاجئ”.
يضيف معدل: “من السمات اللافتة لانتشار أي فكرة تشابهها مع انتشار الوباء: تبدأ ببطء شديد، هنا وهناك، ثم، كما النار في الهشيم، تنتشر فجأة من فرد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن دولة إلى منطقة بأكملها. وقد سلك ظهور الليبرالية في الشرق الأوسط نمطاً مشابهاً. فهو لم يكن منتظماً ولا خطياً؛ بل تسارع كلما فشلت محاولات الناس لإصلاح المؤسسات القائمة، وتحوّلت المعارضة نحو تحدي المبادئ التي تقوم عليها هذه المؤسسات”. ان “الجماهير في الشرق الأوسط تتمرد بشكل متزايد على التطرف الديني، وتطالب بالحرية السياسية والاجتماعية، والتعددية الدينية، والمساواة بين الجنسين، والحرية على أجسادها الخاصة”. وهكذا يبدو ان الدرس الأكبر للكتاب هو أنه لا ينبغي فهم الليبرالية باعتبارها “عقيدة غربية تنتظر أن تُستورد إلى الشرق الأوسط” بل هي رد فعل للاستبداد التقليدي لقيم القمع واللامساواة. ومع اتفاقي مع ما توصل له الكتاب الا ان الليبرالية الغربية هي نتاج فكر وممارسات وتقاليد غربية قد لا تصلح بقضها وقضيضها في مجتمعات الشرق الأوسط. وان التبني اللاواعي لهذه القيم الليبرالية سيخلق بالتأكيد-كما هو حاصل الآن- صداماً اجتماعياً قد يؤدي الى مزيد من التطرف بدلاً من مزيد من الليبرالية.