مصادر القوة والسلطة في العراق القوة العسكرية-1-

منقذ داغر

(يقصد بالسلطة القدرة على جعل الآخرين يفعلون أشياء ما كانوا ليفعلونها بدون وجودها. والسلطة هنا لا تقتصر على السلطة القانونية بل تتعداها الى كل أشكال القوة القهرية أو التعاونية،والرسمية وغير الرسمية،والخاصة أو العامة. يختلف علماء الأجتماع في تحديد مصادر القوة الأجتماعية لكني أتبنى أنموذج مايكل مان Michael Mann الرباعي -الآيدلوجيا،الأقتصاد،الجيش والسياسة- بعد تعريقه ليناسب الظرف الأجتماعي للعراق حالياً).
Military power refers to a nation’s ability to exert force and influence through its armed forces
تعرّف القوة العسكرية هنا بأنها ” ذلك التنظيم الأجتماعي الذي يتركز على أستخدام قوى القسر القاهرة والمميتة) وهي بهذا المعنى تشير الى عملية أستقطاب الأفراد وأستخدامهم لممارسة العنف الجسدي والنفسي ضد الآخر(العدو). وكما يقول القابضون على هذه القوة فأن مقاومتها تعني الموت أو التعرض-على الأقل- لألم جسدي أو نفسي قاهر. هذا يعني وجود شرطَين أساسيين للقوة العسكرية: الأول هو وجود تنظيم محدد بغض النظر عن شكله(جيش، أو ميليشيا، أو جماعات أخرى) وبغض النظر عن تبعبته(للدولة أو لسواها). أما الشرط الثاني فهو أستخدامها القوة المسلحة وبغض النظر عن تسليحها أو الغاية من أستخدام القوة(للدفاع عن البلد أو الجماعة أو لأخضاع الآخرين أو غيرها من الأهداف) وبغض النظر كذلك عن مشروعيتها القانونية والأخلاقية.
لم تتم مناقشة أهمية الجيش والقوى المسلحة الأخرى بصورة مستقلة في التغيير الأجتماعي من قبل علماء ومنظّري الأجتماع الذين أما نظروا للجيش والصراعات العسكرية كأمتداد للصراع الأقتصادي والطبقي،كما فعل ماركس،أو نظّروا لهذه القوة من خلال السياسة كما فعل ماكس فيبر وسواه ممن عدّوا الحرب ممارسة للسياسة بأساليب أخرى. أما مايكل مان Michael Mann الذي تبنيت نظريته(بتحفظ في هذه السلسلة) لترجمة مصادر القوة في العراق وتأثيرها على عملية التغيير الأجتماعي الجارية، فأنه يعتقد أن الجيش والقوى المسلحة قد لعبت تاريخياً دوراً حاسماً في تطور الدول كما حصل في حضارات وادي الرافدين ولدى الرومان ولدى الدول الأوربية التي أدت صراعاتها المسلحة والمتواصلة لسنين طويلة لنشوء واحد من أهم الأختراعات السياسية(الدولة الأمة).
لقد أدت التجارب التاريخية الكبيرة والمتعددة،والمريرة، الى الوصول الى أستنتاج مؤداه ضرورة فصل الجيش والقوى المسلحة عن السياسة. فالقوى العسكرية تمتلك أقوى قوة تغيير أجتماعي(قوة القسر المميتة) وهي بلا شك أقوى تأثيراً وأمضى نفوذاً من قوى التغيير الأجتماعي الأخرى(الآيدلوجيا،والأقتصاد والسياسة). ونظراً لأدراك تلك القوى لتفوق سلطة الجيش القاهرة فقد سعت كل منها لأستثمار أمكاناتها لأستمالة الجيش لصالحها لا لأتقاء قوته وتأثيره فحسب،بل لتمرير مصالحها وأهدافها أيضاً. فلطالما شهد التاريخ،وما زال للآن،عمليات أدلجة سواءً فكرية علمانية (كالشيوعية والقومية وسواهما) أو دينية (كالمسيحية واليهودية والأسلامية) للجيوش ضمن أطار ما يمكن تسميته بالجيوش العقائدية. في نفس الوقت،عرف التاريخ وما زال محاولات حثيثة من الأقتصاد وقواه المختلفة لأستمالة القوى المسلحة والتحالف معها أو تطويعها. وهذا قد يحدث بشكل مباشر من خلال أغراء قيادات القوى المسلحة بالمال،أو بشكل غير مباشر من خلال دفع الجيوش والقوى المسلحة الأخرى للحروب والأضطرابات لأنتاج مزيد من السلاح وبالتالي نمو المؤسسات الأقتصادية المعتمدة على الحروب والمصنّعة لها.أما قوة التغييرالاخرى(السياسة) فلطالما حاولت وأستثمرت القوة العسكرية لتحقيق أغراضها السياسية أما من خلال تسييس الجيش أو من خلال خلق أجهزة ومنظمات عسكرية بديلة كالميليشيات أو الجيوش الموازية لضمان عدم أنقلاب الجيش(غير المسيس)عليهم و\أو لضمان تنفيذه للأوامر التي يصدرها القابضون على السلطة السياسية.
من جهة أخرى فقد عرف التاريخ وما زال محاولات لأستثمار الجيش لقوته العسكرية المتفوقة للسيطرة على قوى السلطة الأخرى(السياسة والآيدلوجيا والأقتصاد) أو على الأقل أستمالتها لصالحه لتنفيذ أرادة وأهداف القابضين عليه. أن هناك اليوم جيوش وميليشيات تسيطر على السياسة والأقتصاد في بلدانها وليس العراق الا واحد من تلك الأمثلة التي تلعب فيها القوى المسلحة دوراً محورياً ليس في السياسة والأقتصاد بل وحتى الآيدلوجيا كما سيتم التطرق لذلك لاحقاً. من هنا فأن من الضروري التعرف على دور القوات المسلحة(بمختلف أشكالها) في عملية التغيير الأجتماعي الجارية في العراق حالياً.

اترك رد