- المشروع العثماني
منقذ داغر
بعد استعراض نشأة وتطور المشروعَين المتنافسَين في المنطقة (الإيراني والصهيوني الاستيطاني) وما هو متوقع منهما في 2025،فأن من الضروري التطرق الى المشروع المنافس الثالث في دوري المشاريع السياسية في المنطقة وأقصد به المشروع العثماني. يُعد المشروع التركي هو الأحدث مقارنةً بالمشروعَين السابقَين. وفي الواقع فأن ملامحه على ما يبدو لا زالت في طور التشكل الى الحد الذي قد يجعل وصفنا له ب”المشروع السياسي” وصفاً غير دقيق علمياً بخاصة وأن تركيا وقيادتها نفت أكثر من مرة وجود طموحات أقليمية لها، رغم أن نفس القيادات زادت من تأكيدها في السنوات القليلة الماضية على أرثها العثماني (الثقافي وليس السياسي). فضلاً عن أنها زادت من نشاطاتها وتدخلاتها المختلفة (أقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً) في عموم منطقة الشرق الأوسط أبتداءً من العراق،وايران،وسوريا،وليبيا،وحتى دول الخليج العربي والمغرب العربي،فضلاً عن دول الجوار التركي في أواسط آسيا. - صعود المشروع التركي-العثماني. لا شك في أن المشروع الابتدائي والأساسي لتركيا الحديثة كان هو المشروع الأتاتوركي-العلماني-الغربي الذي نأى بسياسته وأجتماعهِ وثقافتهِ وأقتصادهِ بعيداً عن الأرث العثماني. فبعد تأسيس تركيا الحديثة على يد رمزها وقائدها مصطفى أتاتورك تم قفل أتجاه البوصلة التركية بأتجاه الغرب تاركاً الشرق والجنوب (المسلم) بعيداً عن الاهتمام. ولم يقتصر الموضوع على علمنة تركيا،ولا على تغيير حروف لغتها،أو حتى تغيير الأسماء العثمانية للمدن والأماكن بل تم سن تشريعات كثيرة لغرض اجتثاث العثمنة وزرع العلمنة. فقد تم إلغاء النظام العثماني وتأسيس جمهورية تركيا عام 1923، نُصّ فيه على تغيير عاصمة تركيا ونظامها السياسي والأجتماعي. وبدأت الحكومة في إنشاء مجتمع متجدد يركز على القيم الغربية. ولتوكيد هذا التوجه فقد أنضمت تركيا مبكراً(في 1950) لمجلس أوربا Council of Europe الذي تشكل في 1949 ليكون النواة الأولى للأتحاد الأوربي EU وكانت العضو الثالث عشر في ذلك المجلس. وعلى الرغم من ذلك ومن تقديمها طلباً رسمياً في عام 1987 للانضمام الى ما كان يسمى بالمجلس الاقتصادي الأوربي EEC والذي تحول الى الاتحاد الأوربي فيما بعد، الا أن تركيا وبعد أكثر من أربعة عقود على محاولاتها المستمرة ومفاوضاتها الطويلة ما تزال تحمل صفة عضو مرشح للاتحاد الأوربي في حين أن دول أصغر وأحدث وأقل أهمية استطاعت أن تنال عضوية الاتحاد الأوربي. ويبدو أن فشل آخر جولة محادثات مع الاتحاد الأوربي في 2005 وكل هذا التاريخ من المماطلة والرفض الأوربي،فضلاً عن صعود نجم أردوغان وحزبه ذو التوجهات الأسلامية في نهاية التسعينات وبداية الألفية الثالثة ،فضلاً عن عوامل أقتصادية وأستراتيجية أخرى،كلها أقنعت القيادة التركية بضرورة تحرير بوصلة سياستها ونقلها من الغرب بأتجاه الجنوب والشرق كوريث لتاريخ(ثقافي على الأقل) من الأرث العثماني الذي لم يخفي القادة الأسلاميون لتركيا أعتزازهم به.
في مقابلة أجريت معه في 2011 قال أردوغان” بالطبع نحن نعيش الآن في عالم مختلف تماما، يمر بعملية مخيفة من الانتقال والتغيير. لقد ولدنا وترعرعنا على الأرض التي هي إرث الإمبراطورية العثمانية. هم أسلافنا… إنه حق طبيعي جدا بالنسبة لنا أن نستخدم ما كان جميلا في الإمبراطورية العثمانية اليوم… لهذا السبب سواء كان ذلك في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا أو في أي مكان في العالم، فإن تصورنا في جوهره هو أن ثروتنا تأتي من إرثنا التاريخي…”. واضح أذاً أن أردوغان بفطنته السياسية قد ألتقط اللحظة التاريخية وأستثمر بها مبكراً. فقد أدرك أن هناك نظام عالمي يسقط ونظام جديد يتشكل وأراد لتركيا أن تكون لاعباً أساسياً في هذا النظام. واذا كانت قدرات المنافس الأيراني محدودة في التصدي والتنافس مع القطب الأمريكي ومحوره الغربي فأن تركيا بعضويتها في الناتو وموقعها الأستراتيجي المميز كبوابة بحرية وتجارية للمنافس الأهم لأمريكا(روسيا) فضلاً عن جوارها الأوربي المهم،هي أكثر قدرة بكثير على المناورة مع أمريكا وروسيا والغرب عموماً مقارنةً بالمشروع الإيراني .وأذا كان المشروع المنافس الآخر(الصهيوني) يمتلك قدرات محدودة للمناورة والتعاون مع جيرانه الأقليميين (العرب) لأسباب واضحة،فأن المشروع العثماني يتمتع بمزايا وأرث وأمكانات تمكنه من التحرك بسهولة ومرونة مع الجوار العربي والمسلم. والواقع فأن هذا المشروع التركي-العثماني الذي ما زال في طور التشكل والصعود بخاصة بعدما حصل في سوريا مؤخراً يمتلك من الإمكانات والقدرات والآفاق ما يفوق بوضوح ما يمتلكه المشروعان المنافسان بشكل يؤهله فعلاً ليكون الفائز الأكبر من التغيرات الدولية والأقليمية الجارية حالياً،فهل سيتمكن أردوغان المعجب كثيراً بالسلطان سليم ،والذي يعتقد كثير من المؤرخين أنه المؤسس الفعلي للأمبراطورية العثمانية من بلورة وقيادة مشروع أقليمي ناجح يمكنه أن يتحكم بكثير من مفاتيح المنطقة؟ هذا ما سأحاول تحليله في المقال القادم.