في سنوات 2011-2013 كانت أرقام الأستطلاعات التي أجريها في المناطق التي أحتلتها داعش فيما بعد تشير بوضوح الى وجود شعور كبير في تلك المناطق بالظلم وعدم المساواة. وكم حاولت أيصال هذه الرسالة الخطيرة الى متخذي القرار،لكن لا حياة لمن تنادي حتى أصبحنا ونحن نصرخ من ضياع أكثر من ثلث أراضي العراق والآلاف من أبناءه خلال أيام معدودة كضحايا للجراد الداعشي. لقد كانت كل المقابلات التي أجريناها هناك والمقارنات بين الأجابات على نفس الاسئلة في المناطق السنية والشيعية تشير بوضوح الى فجوة ثقة كبيرة بين السنة ومؤسسات الدولة. ففي أستطلاع أجريناه قبل أسبوع واحد فقط من أحتلال داعش، ظهر أن أكثر من 80% في المناطق الجنوبية يثقون بالقوات الامنية العراقية في حين كانت هذه الثقة لا تتجاوز 10% في المناطق التي أحتلتها داعش. وفي الوقت الذي قال فيه 85% من الشيعة أنهم يشعرون بالأمن في مناطق سكناهم كان 15% فقط من السنة يشعرون بالامان في مناطق سكناهم. لذلك لم يكن مستغرباً أن 80% من الشيعة قالوا نحن عراقيون قبل كل شيء في حين لم يشعر بهذه الهوية الوطنية سوى 40% من السنة فقط.
قبل بضع سنين كانت لي زيارة لمكتب أحد القيادات الأمنية الكبيرة في البلد لأطلاعه على الرأي العام العراقي وأعطاءه مشورة بخصوص مكافحة التطرف والأرهاب. تصور هذا المسؤول الشيعي(كالعادة) أني شيعي بسبب محافظتي وعشيرتي،فانفتح بالحديث معي. وكم صدمني حين قال،وجدت 24 من 26 مدير يعملون عندي جميعهم من الشيعة! والحمد لله أنه كان مسؤولاً غير طائفي فقام بتغيير الكثير منهم كما قال لي.
لقد أوقعتني حقيقة أني من البصرة ومن عشيرة معروفة بأنها شيعية بالكثير من المواقف الطريفة والمحرجة ليس لي فقط بل ولمن يتحدثون معي متصورين أني مثلهم.فما أن تستقر قناعتهم بأني من مذهبهم حتى ينفتحوا معي بشتى الاحاديث والأسرار التي تفوح منها رائحة الطائفية النتنة. لا اريد أن أتحدث بالتفصيل عما قاله لي أحد المحافظين،ولا أحد المسؤولين الامنيين أو أحد الوزراء أيضاً. فلا يهمني ما قالوا ولكن يهمني هذا النهج الطائفي الذي لا يقتصر على الشيعة فقط،بل وهناك من السنة من يجعلني أحياناً أريد التقيؤ من قباحة ما ينطق به حينما يعلم أني سني. في العراق،أذا أردت معرفة أن هذا الشخص طائفي أو لا فلا تستمع له أو تقرأ له في الأعلام. فقط دعه يختلي بك بعد أن يطمئن أنك من طائفته.فأذا بدأ بنثر سمومه الطائفية فأعلم أنه ليس فقط من أنصار الطائفية،بل والمروجين لها.(يتبع)