إذا حل الظلام..سقط النظام

هي عبارة تعلمتها حينما زرتُ مدينتي البصرة أول مرة بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها الجيش العراقي بعد أن ورطه النظام بغزو الكويت. شاهدت لاول مرة أخي وهو لا يقف لاشارة المرور الحمراء مردداً اذا حل الظلام سقط النظام. والظلام هنا يرمز لعدم وجود الدولة التي كانت في أضعف حالاتها آنذاك. اليوم تمتلئ مواقع التواصل والاعلام بصور إقتحام الصدريين للمنطقة الخضراء وسباحتهم بنافورة البرلمان وتدخينهم الأرگيلة هناك،وعدم احترامهم لما ترمز له تلك الأبنية،وهي صور بحق مؤلمة ومخيفة في ذات الوقت،ولا يمكن قبولها سياسياً،لكني أفهمها أجتماعياً.
لقد سبق للدولة العراقية ومؤسساتها أن تعرضت الى أكثر من هذه الأحداث سواء خلال كل الأنظمة السابقة أو النظام الحالي.لا بل أن الدولة العراقية قد تعرضت لأعتداءات وأقتحامات أخطر مما يجري حالياً بكثير. هل نسينا حرق وسرقة ممتلكات الدولة من قبل؟أن أي دولة في العالم يمكنها أن تكون مهابة بواحدة من طريقتين:القمع والخوف(كما كان يحصل سابقاً)،أو الأحترام والضبط الذاتي كما يحصل في البلدان راسخة الديموقراطية. نحن في العراق،وبعد سقوط النظام السابق،بتنا كالتي (لا حظت برجيلهه ولا خذت سيد علي). فلا هناك نظام يخاف الشعب قمعه(والحمد لله على هذه النعمة)،ولا هناك نظام ودولة تحترمها الناس. وكيف للشعب أن يحترم دولة تداس صور رئيس حكومتها بالاقدام من قبل جنوده؟! كيف يمكن أحترام دولة يجري أقتحام منطقتها الخضراء أكثر من مرة بقوات مسلحة من ميليشيات وقوات يفترض انها تابعة للدولة؟! كيف يمكن أحترام دولة لا يحترم فيها الدستور ويتم خرقه من قبل الجميع جهاراً نهاراً وعلى مرأى ومسمع كل السلطات بما فيها السلطات القضائية؟! كيف نطلب من الشعب احترام الدولة ويومياً يجري الاعتداء على موظفيها وشرطتها وجيشها من قبل مسلحين أو ناس نافذين دون أن يحاسبهم أحد؟! كيف يمكن أحترام دولة تستعرض العجلات المسلحة في شوارعها دون رادع؟! كيف يمكن أحترام دولة لا تحترمها دول الجوار؟! كيف تُحترم دولة تجاهر الميليشيات فيها أنها قصفت السفارة الفلانية أو المدينة الفلانية بصواريخها ومسيراتها؟! كيف تحتَرَم دولة ترفع فيها أعلام ورموز دول أخرى بدلاً من علمها؟! كيف يجري أحترام دولة أمتلأت مكاتبها بقضايا الفساد التي تكبر وتنتشر يومياً دون ان تستطيع هذه الدولة محاسبتهم؟ كيف نطلب من الشعب أحترام النظام وهو غير محترم من قبل كل صاحب جاه وسلطة؟! أسألوا شرطة المرور والسيطرات في الشوارع وأسألوا الموظفين العموميين،والمدرسين والمعلمين …الخ كم مرة يتم تجاهلهم بل حتى أهانتهم من قبل المتنفذين والتيجان دون أي حساب؟!الدولة لا يتم أحترامها من قبل ساكني الخضراء،فكيف تحترم من قبل غير الساكنين فيها؟!الدولة لا تحترم من قبل من أعطتهم الدولة السلاح والمال والسيارات فكيف بالذين سرقتهم ولم تعطِهم شيئا؟!الدولة لا تحترم من قبل من نالوا الامتيازات والاراضي والاموال منها ومن أرسلوا أبناءهم للدراسة في الخارج على حسابها،فكيف تُحترَم ممن أفقرتهم ونشرت الأمية والجهل بينهم؟!
أنتم أيها السادة من لم تحترموا الدولة وتماديتم في تقويضها حتى صارت فعلاً مبني للمجهول،ورمزاً للظلم والغلول!
أن من دخن الأرگيلة في البرلمان لم يكن يقصد التباهي بأهانة الدولة، بل كان يقصد التساوي في عدم أحترامها. فالخضراء باتت رمزاً لعدم المساواة والتمييز السلطوي والطبقي. سمعتُ أحد مقتحمي الخضراء وهو يقول،هذه الشوارع لم أشاهدها في حياتي!! أنها مدينة مختلفة عن حيّه البائس. أنها ترمز لدولة لا يعدها دولته،فلماذا يحترمها؟! أن ظاهرة عدم أحترام الدولة عند العراقي ظاهرة شخصها علماء الاجتماع ومنهم الوردي مؤكدين أن العراقيين طوال قرون لم يشعروا أن من يسكنون القصور الرئاسية والوزارية هم عراقيون مثلهم. فباتت الدولة رمزاً للسيد والأقطاعي والسركال والبورجوازي وصاحب السلطة بدلاً من أن تكون رمزاً للخدمة والسيادة والفخر. ورحم الله أستاذي الفيلسوف الراحل الكبير مدني صالح الذي قال لنا في أحد محاضراته في الفلسفة في مرحلة الدكتوراه: الناس قد يصلون الى حالة لا يسعون فيها للمساواة في أحترام القانون بل المساواة في خرقه. من أقتحم الخضراء يريدون المساواة في عدم أحترام الدولة لا في أحترامها.
لا يعني هذا أني أؤيد أقتحام الخضراء،بل العكس تماماً،فأنا أرفض عدم أحترام الدولة لكني أدعو من يفكرون قبل ان يقررون،ويتأنون قبل أن يشتمون،أن يتأملوا بالذي أوصلنا لهذا الحال. واذا كان هناك من حل فيجب تطبيقه على الجميع وبالتساوي.

اترك رد